الرئيسية اقتصاد لبنان توسيع محطّة حاويات المرفأ: ضغوط سياسية وغياب للشفافية | من قرّر منح...

توسيع محطّة حاويات المرفأ: ضغوط سياسية وغياب للشفافية | من قرّر منح CMA – CGM حقّ زيادة الاستثمار؟

تنطلق مساء اليوم، برعاية رئيس الحكومة نواف سلام، مراسم وضع حجرِ الأساسِ لتوسعة محطة الحاويات في مرفأ بيروت، بمشاركة وزير الأشغال العامة فايز رسامني، رغم أن الأخير يشكك في السند القانوني لصفقة تمّ تلزيمها بالتراضي للمُشغِّل الحالي للمرفأ CMA CGM بقيمة 100 مليون دولار.

وبدا من حملة الترويج لهذه التوسعة و«فوائدها» أن مراسلة وزير الأشغال الموجّهة للجنة المرفأ لم تُعرض على مجلس الإدارة ولم تُناقش، بل مورست ضغوطٌ سياسية لإسكات الوزير على خلفية أن كل من يقف بوجه التلزيم يقف بوجه السعودية التي ترعى، عبر الرئيسين جوزف عون ونواف سلام، كل ما يتصل بأعمال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وشركائه في لبنان، وعلى رأسهم CMA CGM… مع الإشارة أيضاً، إلى أن أصحاب الشركة، أي آل سعادة، هم من «أصدقاء البزنس» للرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق معاونيه من المقاولين. ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ إن وزير الأشغال طرح الأمر على مجلس الوزراء في جلسته أمس من خارج جدول الأعمال، ما أدّى إلى اتخاذ قرار يشرّع هذا الوضع المشكوك فيه، علماً بأن الدعوة لحفل حجر الأساس وزّعت قبل أيام من عرض الموضوع على المجلس.

المشروع، كما عرّف عنه رئيس مجلس إدارة المرفأ مروان النفي في أكثر من ظهور إعلامي، هو عبارة عن توسعة للمرفأ لرفع قدرته الاستيعابية من 1.3 مليون حاوية سنوياً إلى 3 ملايين حاوية، ولتعزيز عمليات المنافسة والترانزيت، واستعادة دور المرفأ الإقليمي والتاريخي كمنصة رئيسية لخدمة أسواق بلاد الشام. وهذا يتطلب تطويراً للبنية التحتية في مقدّمها الرصيف 16 الذي يتمتع بعمق يصل إلى 16.5 متراً وبطول 1.1 كيلومتر، وسيتم تزويده بـ16 رافعة حديثة لتعزيز كفاءة وسرعة عمليات المُناولة.

بحسب مصادر مطّلعة، فإن هذا المشروع مبنيّ على المخطط التوجيهي للمرفأ الذي أنجزته شركة «خطيب وعلمي» في أيار 2018، ضمن خطة إعادة توزيع لكل مناطق العمل في المرفأ، مع الأخذ في الاعتبار التطورات الأخيرة لا سيما ما جرى التمهيد لها في مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال، وصودق عليه على شكل تهريبة، أي ضمّ العقار 1382 المتداخل مع ملكية مؤسّسة «الأسواق الاستهلاكية» – والعقار المعروف باسم «مطمر الكورال» ومساحته 33795 متراً مربعاً ضمن الأملاك العمومية البحرية لزوم أشغال مركز التخمير والتسميد في منطقة برج حمود. ضمُّ العقارين فتح المجال واسعاً أمام امتداد أفقي للمرفأ ستستولي عليها محطة الحاويات.

ما حصل، يجعل من المنطقي طرح السؤال التالي: هل ستكون هذه التوسعة لكل مرفأ بيروت بحسب المخطط التوجيهي، أم أنها توسعة محصورة بمحطة الحاويات فقط؟ إذ يبدو أن التوسعة ستقضم، لمصلحة محطة الحاويات، كل مساحات المرفأ ولن تترك مجالاً لتطبيق المخطط التوجيهي.

ما سبق، لا يغطي كل الشكوك التي أثيرت بشأن المشروع. ففيما كانت التحضيرات جارية لحفل وضع حجرِ الأساسِ، كان وزير الأشغال فايز رسامني يشكّك في وجود سند قانوني لعملية التلزيم فقد وجّه كتاباً إلى رئاسة مرفأ بيروت يسأل عن السند القانوني للتلزيم. وما فُهم من الكتاب أن رسامني اعترض على تلزيم صفقة بقيمة 100 مليون دولار عبر عرضها على المستثمر الحالي حصراً، وأنه لو جرت مزايدة لربما حصلت الدولة على مبالغ أكبر مقابل هذا الاستثمار. واتضح لاحقاً، أن النفي لم يعرض الكتاب على مجلس إدارة المرفأ لمناقشته. وربما هذا ما دفع وزير الأشغال إلى عرض الملف على مجلس الوزراء بعد أيام على إطلاق الدعوة لوضع حجر الأساس. ففي جلسة أمس عرض الموضوع من خارج جدول الأعمال، على أساس أن العقد الموقع مع CMA – CGM يمنحها الحقّ في الأفضلية لإشغال المرافق الإضافية أو إدارتها وتشغيلها وأنه يتعيّن فور اتخاذ المرفأ قراراً بتطوير أي مرافق في المرفأ، إبلاغ الشركة خطياً ولديها مهلة 30 يوماً للردّ بما إذا كانت مهتمة «بإدارة وتشغيل وصيانة المرافق الإضافية». أي أن العقد لا يلزم الدولة بتلزيمها بالتراضي صفقة التطوير والتأهيل، بل لها حقّ الأفضلية في الإدارة والتشغيل.

وكان لافتاً أنه ضمن الملف المعروض على الجلسة، أن إدارة مرفأ بيروت قالت إن الجوانب الفنية تقتضي بطبيعتها أن تتولى الشركة المشغّلة إدارة وتشغيل المرافق الإضافية. وإن المفاوضات التي جرت بين الطرفين أفضت إلى «موافقة الشركة على صرف مبلغ 100 مليون دولار على مشروع التوسعة خلال السنوات 2026 و2027 و2028 لتأهيل البنى التحتية وتجهيز المساحات موضوع التوسعة».

عند هذه النقطة أصبح النقاش في مسألة مختلفة. فقد ظهر العقد فجأة وهو لا يلزم المرفأ بتلزيم التأهيل والتطوير لهذا المستثمر. وهو عقد وُقّع في شباط 2022، عندما كان علي حمية وزيراً للأشغال العامة، علماً بأن الأخير تربطه علاقة صداقة وعمل مع الشركة الفرنسية نفسها. ويثير البند المذكور في العقد شبهات بشأن المناقصة التي أفضت إلى فوز الشركة، لأنه لا يمكن أن يكون تخصيص الشركة بامتياز كهذه الامتيازات التي تمنح وفق الدستور في مجلس النواب. وهذا ما يعيد النقاش إلى أساسه المتعلق بالتلزيم بالتراضي.

كل ما يحصل، يثير الشبهات؛ فالعقد الموقّع مع الشركة يسمح لها بإدارة محطة الحاويات لخمس سنوات إضافية، لغاية 2032، وكان لزاماً عليها أن تستثمر 30 مليون دولار في أول مدة من العقد الموقّع في عام 2022، وهذا ما قاله حمية يوم فضّ العروض. لكن، في المحصّلة لا أحد يعرف ما هي الاستثمارات التي قامت الشركة بها، ولا إذا كان الاستثمار الجديد سيمنحها مدة زمنية إضافية على العقد الأصلي. لأنه بالنتيجة، أي شركة تستثمر مبلغ 100 مليون دولار، لن تكون عبارة عن جمعية خيرية، بل ستسعى بكل الطرق لاسترداد رأس المال، وتحقيق أرباح أيضاً. أي إنه في المدة المتبقية، يتوجب على الشركة استرداد رأس المال عبر تحقيق أرباح لا تقل عن 20 مليون دولار إضافية كل سنة. وبافتراض أن المشروع سيتم خلال ثلاث سنوات، فإن الاسترداد لن يبدأ قبل مرور سنة على الأقل وسيكون بوتيرة تصاعدية، ما يعني أن الاسترداد لا يجب أن يقلّ عن 25 مليون دولار سنوياً إضافية. فمن أين سيأتي هذا المبلغ قبل أن نضيف إليه أكلاف التشغيل وأرباح رأس المال؟ ثم كيف يكون هناك مُلحق للعقد يساوي ثلاثة أضعاف الاستثمار الذي التزم به المُشغِّل في العقد الأساسي؟

ما يعزّز هذا النقاش والشكوك بشأن المشروع. هو السؤال عما إذا كان المشروع يتعلق بالمرفأ، أم أن محطة الحاويات ستأكل المرفأ؟ ففي المخطط التوجيهي، كان هناك نقاش واسع بشأن منطقة البضائع العامة، أي البضائع التي لا تأتي في الحاويات مثل الحديد والسيارات والقمح والأسمدة وغيرها من الحبوب بالإضافة إلى المستودعات، بحيث لم يكن يُفترض أن تتوسع محطة الحاويات على حساب البضائع العامة.

على أي حال، يبقى أن أي مزايدة لتلزيم التوسعة في المرفأ، في ظل ارتفاع مستوى التنافس الإماراتي – السعودي في لبنان، قد تدرّ مبالغ أكبر بكثير من 100 مليون دولار على المرفأ مقابل تطوير محطة الحاويات، خصوصاً أن الشركات الآتية من أبو ظبي، سألت عن مرفأ بيروت، كما سألت عن بقية مرافئ لبنان!

قرار على طريقة «أبو ملحم»
كان لافتاً في قرار مجلس الوزراء أنه أتى على طريقة «ابو ملحم»، إذ يبدو أن اعتراض الوزير على الصفقة مقابل إصرار الرئيسين عون وسلام عليها، أفضى إلى إصدار قرار بالموافقة على الصفقة والطلب إلى وزير الأشغال «الإشراف على حسن تنفيذ العقد وملحقه (…) كل هذا ما حفظ حقّ إدارة المرفأ بصلاحياتها التنفيذية والتشغيلية اليومية…» فهل هو تكليف شكلي للوزير لحفظ ماء الوجه، أم أنه تأكيد لقمعه عن ممارسة أي رقابة على المرفأ؟

مصدرجريدة الأخبار - محمد وهبة
المادة السابقةحين يتواطأ الجميع يدفع المريض الثمن | المستشفيات للجهات الضامنة: لا أموال… لا علاج!
المقالة القادمةالحركة السياحيّة لم تكن على قدر التوقعات… والخسائر حوالى المليار دولار عبود: تراجع حركة المطار بنسبة ١٢ في المئة عن العام ٢٠٢٥