الرئيسية اقتصاد لبنان ثمن الصمت… كيف كبّد الفساد لبنان 150 مليار دولار؟

ثمن الصمت… كيف كبّد الفساد لبنان 150 مليار دولار؟

ذهبت الأموال الى جيوب خاصة الأرقام واضحة والوضع مُزر

150 مليار دولار أميركي دين سيدفعه الجيل الجديد وستدفعه الأجيال المُستقبليّة

تُظهر الإحصاءات الأخيرة لمؤشر “مدركات الفساد”، أن لبنان يتأرجح حاليا حول 23 نقطة من أصل 100. وللتوضيح، فإن 100 نقطة تعني النزاهة، و0 تعني الإنهيار التام. وإذا كان لبنان قد تفوّق على الجارة سوريا التي تخرج من حرب ضروس، إلا أنه في الترتيب العالمي يبقى في قاع اللائحة. كما أن الإرتفاع الطفيف جدا (نقطة واحدة فقط عن أدنى مستوى تاريخي بلغ 22 نقطة العام الماضي)، لا يدل على إنتعاش حقيقي، بل يعكس إنتعاشا مؤقتا فرضته الظروف السياسية.

ولم يلق هذا التصنيف الجديد أي ردّ رسمي لبناني، بل ساد الصمت المراكز الرسمية، وهو صمتٌ خانقٌ! خانقٌ لحقيقةٍ يعرفها الجميع، ولا يستطيع أحدٌ قياسها، لكن الأرقام بدأت تتحدث أخيرا، وبصوتٍ عالٍ.

ثمن مستقبل مسروق

لا يقتصر السؤال الذي يطرحه المراقب عند النظر إلى هذه الكارثة على مصير الأموال فحسب، بل يتعداه إلى حجم الخسائر التي تكبدها المواطن والإقتصاد والدوّلة ولبنان، الذي يواجه حمام دم في النظام المالي اللبناني قضى فعليا على الطبقة الوسطى. فوفقا لأكثر التقديرات تحفظًا، كلّف الفساد لبنان، بِدءا من التهريب والدعم لسوريا، مرروا بالهندسات المالية والدعم خلال الأعوام 2020 و2021 ، والصفقات في الإدارات العامّة، وصولاً إلى أتفه الرشاوى في المرفأ، أكثر من 150 مليار دولار بين عامي 2011 و2025. وهذا الرقم يُمثّل أكثر من أربعة أضعاف الناتج المحلّي الإجمالي الحالي للبنان!

وكان من المفروض إستثمار هذه الأموال في بناء معامل وشبكة كهرباء تُؤمّن التيار الكهربائي على مدار الساعة، كما ومستشفيات وسكك حديدية… وبدلاً من ذلك، ذهبت الأموال إلى جيوب خاصة، تمّ إيداعها في حسابات خارجية أو في عقارات فاخرة في أوروبا.

كارثة القطاع المصرفي

تجلّى الدمار الحقيقي في القطاع المصرفي، حيث قام مصرف لبنان بإستخدام أموال المودعين، لتغطية عجز الموازنات، وتمويل سياسة الدعم التي تُعتبر جريمة موصوفة، من باب إستفادة فئة من المجتمع على حساب الأخرين. أكثر من ذلك، تمّ جلب أكثر من 12 مليار دولار أميركي من ودائع المصارف (أموال المودعين) الموجودة في الخارج في العام 2016، لتقديمها للدولة على طبقٍ من فضة، من خلال الهندسة المالية، وهو ما كان عملية تمويل لقطاع عام مُتضخّم وفاسد.

الكارثة المالية تحوّلت إلى كارثة إجتماعية، مع إنفاق مدخرات المودعين من أستاذة وموظفين ومُتقاعدين، وحتى أصحاب المشاريع الصغيرة. والأصعب أن المودع أصبح ينتظر آخر الشهر لسحب بضع مئات من الدولارات، حيث يتلاشى أثر حياته في ظل التضخم الإصطناعي.

كارثة المقارنة

إن الفجوة في النزاهة وغياب الفساد بين الاقتصادات مذهلة، عند النظر إلى الرسم البياني المرفق. فألمانيا والولايات المتحدة في منطقة الراحة (Comfort Zone)، التي كانت سائدة في السبعينيات والثمانينيات. حتى أن نظراء لبنان الإقليميين، كالأردن مثلًا، الذين يواجهون مشاكل جسيمة، يسجلون 46 نقطة. أمّا البلدان المعروفة تاريخيا بتفشّي الفساد فيها، فقد إحتلّت مراتب أعلى من لبنان. هذا الأخير وبترتيبه 153 على 182 دولة، يُرسل رسالة إنذار للعالم ، وبالتحديد للمستثمرين الأجانب، مفادها أن التعامل معه ليس محفوفا بالمخاطر فحسب، بل هو عبء عليهم ويجب تفاديه.

هل من مخرج؟

إن واقع لبنان هذا العام يُعطي بصيص أمل، ربما بسبب تعديل قانون السرية المصرفية وبعض عمليات التدقيق الجنائي. لكن الأمل كلمة خطيرة في لبنان، إذ أن التجارب الماضية أثبتت أن قلب الموازين فعليا لا يكون عبر سنّ القوانين على الورق فقط، بل يجب إخضاع البيروقراطية لصدمة جذرية. ولهذا، يتوجّب وضع أهداف عملية:

– الوصول إلى مستويات ما قبل الأزمة (30) بحلول العام 2027 ، وهو ما يتطلب إقرار حزمة إصلاحات صندوق النقد الدولي.

– الوصول إلى درجة 40 وأكثر (مماثلة للأردن أو البرازيل). ويتطلب ذلك فصل القضاء تماما عن التدخل السياسي، من خلال تطبيق إستقلالية القضاء ، التي تُعتبر المفتاح الوحيد للقضاء على الإفلات من العقاب. أيضا من خلال مكننة الدولة وإداراتها ومؤسساتها ، وذلك لضرب الفساد من أصغر عملياته إلى أكبرها. فالكل يعلم أن أصغر عملية إدارية في البلد، من رخصة بناء أو تخليص جمركي أو حتى تقديم مُعاملة بسيطة في الدولة، تمرّ عبر الرشوة. أيضا يتوجّب تفعيل التدقيق في كل مؤسسات الدولة وفي القطاع الخاص. فما يُسمّى بالفجوة المالية لم تأت عبثا، بل تمّ إستخدام أموال المودعين بشكلٍ مُمنهج لعمليات مشبوهة تحتاج إلى تحقيق، لإستعادة ثقة اللاعبين الإقتصاديين وبالتحديد المودعين. يلي هذا الأمر خطّة جادّة لاسترداد الأصول مدعومة بتعاون دولي.

الخلاصة

في المحصلة، إن تصنيف لبنان في المرتبة 153 من أصل 182، يُذكّرنا بأن الفساد ليس مجرد أثر جانبي لنظامنا السياسي، بل هو جذره الأساسي. فالخسارة البالغة 150 مليار دولار أميركي في الناتج المحلّي الإجمالي، هي الدين الذي يدفعه الجيل الجديد وستدفعه الأجيال المُستقبلية، من خلال هجرة العقول، حيث غادر ربع مليون كفاءة من لبنان خلال السنوات الخمس الماضية وحدها.

لبنان على مفترق طرق، فإما الإستمرار في هذا الإنهيار التدريجي، أو الإعتراف بأن “المعجزة اللبنانية” لم تكن سوى عملية سطو مُقنّعة. الأرقام واضحة، والوضع مُزرٍ. ما ينقص هو الإرادة السياسية السليمة لوقف النزف.

سيبقى لبنان عبرةً للآخرين: “دولة كانت ثروتها طائلة لدرجة أنها لم تنهار، إلا حين بدأ الفساد بنهك مفاصل الدولة”.
مصدرالديار - جاسم عجاقة
المادة السابقةلا شرعية نقابية لزيادة تعرفة سيارات الأجرة
المقالة القادمةلبنان تسلّم رئاسة مجموعة الشرق الأدنى في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) لسنة 2026