الرئيسية اقتصاد دولی حرب ترامب على “الفدرالي”: أسعار الفائدة سلاحًا سياسيًا

حرب ترامب على “الفدرالي”: أسعار الفائدة سلاحًا سياسيًا

يتصاعد الصراع بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة، حيث يطالب ترامب بشكل متكرّر مجلس الاحتياطي الفدرالي بخفض أسعار الفائدة بشكلٍ كبيرٍ وفوري، من 3.75%، وهو مستوى يُعتبر معتدلاً في ظلّ تضخم سنوي مستقر عند 2.7%، إلى مستوى “طارئ”، نزولاً إلى 1% أو أقلّ من ذلك.

هذا الطلب، أو “الأمر”، لا يختبر فقط حدود الاستقلالية النقدية لأكبر بنكٍ مركزي في العالم، بل يكشف عن تحوّل عميق في نظرة الإدارة الأميركية بقيادة ترامب إلى السياسة النقدية.

الدين الفدرالي الأميركي

يبرّر ترامب مطالبته بخفض أسعار الفائدة بالحاجة إلى تقليص تكلفة خدمة الدين الفدرالي الأميركي الضخم والمتزايد، الذي بلغ 38.5 تريليون دولار بحلول عام 2026، ويرتفع بمقدار 2.6 تريليون دولار سنويًا، بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، تبلغ حوالي 124%. فيما بلغت الفوائد السنوية الصافية لهذا الدين 970.4 مليار دولار في العام 2025، بزيادة قدرها 10.1% أو 89.3 مليار دولار عن السنة المالية 2024 وفقًا لمكتب الخدمة المالية التابع لوزارة الخزانة الأميركية، وهي تشكّل 3.17% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة البالغ 30.6 تريليون دولار، و10% من إجمالي النفقات الفدرالية البالغ 7.01 تريليون دولار، بزيادة قدرها 4.1% أو 275.1 مليار دولار عن السنة المالية 2024. وتتجاوز فوائد الدين السنوية ميزانيات فيدرالية كاملة لقطاعات خدماتية واجتماعية حيوية مثل التعليم (نحو 71 مليار دولار) والنقل (نحو 145 مليار دولار).

Image-1770395347

إجمالي النفقات الفدرالية لعامي 2024 و2025 حسب الأقسام (موقع وزارة الخزينة الأميركية)

هذه الفاتورة المتصاعدة للفوائد، هي التي تجعل ترامب يرى في أسعار الفائدة المرتفعة عائقًا مباشرًا أمام “حريته” في التحرك بالسياسة المالية، بل وتهديدًا لقدرة إدارته على الوفاء بالتزاماتها دون المزيد من التوسّع في الدين. علمًا بأنّ نحو ثلث الدين الأميركي (نحو 33.8% حتى نهاية عام 2025) هو دينٌ خارجي قصير الأجل، أي تقل مدة استحقاقه الأصلية عن سنة واحدة. لذا، فإن أي انخفاض في أسعار الفائدة ينعكس بشكل فوري على تخفيض تكلفة خدمة الدين في الميزانية، مما يحرّر أموالاً يمكن تحويلها إلى أغراض أخرى كالإنفاق العسكري والأمني. وتبدو هذه الآلية في التعامل مع الوضع المالي والنقدي هي جوهر استراتيجية ترامب.

الاحتياطي الفدرالي يتجاهل مطالب ترامب

في مقابل مطالبات ترامب بخفض أسعار الفائدة، يرفض الاحتياطي الفدرالي، بالإضافة إلى معظم الاقتصاديين الأميركيين، خفضها، خوفًا من تزايد الاقتراض الحكومي، في الوقت الذي يطالب فيه ترامب الكونغرس بإقرار مشروع قانون لرفع الإنفاق العسكري والأمني بنسبة تتجاوز 50% ليبلغ 1.5 تريليون دولار في العام 2027. إذ يبدو أن الهدف المباشر من مطالبة ترامب خفض أسعار الفائدة هو خلق مساحة مالية أكبر لتمويل ميزانية البنتاغون، والتي أمر ترامب بالاقتطاع منها بنسبة 8% سنويًا، ولمدة خمس سنوات، لتنفيذ أولويات سياسة “أميركا أولاً” حسب زعمه. وفي الوقت نفسه، يدعم ترامب مشروع قانون في الكونغرس يقضي بزيادة 100 مليار دولار في تلك الميزانية.

وإذ أبدى الاحتياطي الفدرالي برئاسة جيروم باول، في اجتماعه في 29 كانون الثاني 2026، مقاومةً لمطالب ترامب عبر إعلان تثبيت أسعار الفائدة عند 3.5% إلى 3.75%، وذلك بحكم استقلالية الاحتياطي الفدرالي عن القرار السياسي واستناده إلى البيانات الاقتصادية حصرياً في تحديد سياسته النقدية، وخوفه من إشعال الخفض الكبير في أسعار الفائدة لمعدلات التضخم السنوية المستقرة عند 2.7%، وخلق فقاعات جديدة في أسواق العقارات والأسهم نتيجة تشجيع نشاط الاقتراض عالي المخاطر كما حدث قبيل الانهيار المالي العالمي في عام 2008. فإنّ ترامب ردّ بعد ساعات قليلة فقط من هذا الإعلان بأنّ إدارته ستعلن عن مرشّحٍ جديد لرئاسة الاحتياطي، وهذا ما فعله حقاً، حيث أعلن ترامب عن مرشّحه كيفن وارش بعد يومين فقط، وأكّد أنه “سيبلي بلاءً حسنًا ويخفض معدّلات الفائدة”.

هكذا، يتواصل سعي ترامب للهيمنة على قرار الاحتياطي الفدرالي وتجريده من استقلاليته النقدية وإخضاعه إلى قرارات إدارته السياسية بشكلٍ مباشر. تسييس السياسة النقدية يمكن أن يسهّل عملية طباعة النقد لتمويل العجز، وضخّ السيولة مباشرة، من دون إدارة دقيقة للفائدة والسيولة عبر شراء السندات طويلة الأجل (التيسير الكمي)، فيما يبدو أن الهدف منه توفير غطاء مالي غير محدود للأجندة السياسية والعسكرية لإدارته، حتى لو كان ذلك على حساب الاستقرار المالي والنقدي للاقتصاد الأميركي.

تأثيرات متوقعة على الاقتصاد العالمي 

لا تقتصر تبعات التوتر القائم بين ترامب والاحتياطي الفدرالي على الاقتصاد الأميركي فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره. فالقرار الذي قد يُتخذ بشأن أسعار الفائدة الأميركية، والذي سيلقي بظلّه على قيمة الدولار، سيحدّد اتجاهات تدفقات رؤوس الأموال العالمية التي ستسارع للهرب من الأسواق الناشئة بحثًا عن فوائد أعلى في أسواق أخرى، كما سيؤثر القرار على أسعار السلع الأساسية المسعّرة بالدولار، مثل النفط والقمح والذرة والمعادن، خاصة في الدول النامية والفقيرة التي ستعاني أيضًا من حيث تراجع قدرتها على التعامل مع خدمة ديونها المقوّمة بالدولار. هذه التبعات من شأنها أن تخلق موجة من عدم الاستقرار المالي في الأسواق العالمية، وبتأثير أكبر من ذاك الذي شهده العالم إبّان أزمة التخفيض التدريجي Taper Tantrum  في العام 2013، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بشكلٍ مفاجئ، نتيجةً لتشديد السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي عبر إعلان نيّته تقليص برنامج شراء السندات، مما أدّى إلى عمليات بيع مكثفة في الأسواق الناشئة وارتفاع أسعار الفائدة العالمية.

ستكون الأزمة مضاعفة في السياق الراهن لأسباب مختلفة لا يمكن الإحاطة بها جميعًا في آنٍ واحد، لكن أخطرها هو بلوغ الدين العالمي مستويات غير مسبوقة في التاريخ، حيث بلغ إجمالي الدين العام العالمي في الربع الرابع من عام 2025، وفقًا للتقرير الفصلي لمرصد الديون العالمية الصادر عن قسم البحوث في المعهد الدولي للتمويل، نحو 346 تريليون دولار. في حين بلغت الديون في كل من الأسواق الناضجة والناشئة مستويات قياسية جديدة وفقًا للتقرير نفسه، وقد استُنفدت قدرات الدول على التحفيز المالي للأسواق خلال جائحة كوفيد-19 منذ عام 2020.

ويُعتبر السياق الراهن أشد خطرًا وحساسية أيضًا بسبب تأثيرات الغزو الروسي لأوكرانيا على أسعار الطاقة والغذاء منذ شباط 2022، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية والتجارية المختلفة، وبالأخص بين الولايات المتحدة والصين بعد وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سدة الحكم لولايةٍ ثانية منذ كانون الثاني 2025 واستخدامه سلاح الرسوم الجمركية ضد خصومه وحلفائه على حد سواء.

مصدرالمدن - هاني عضاضة
المادة السابقةشيفرون في المتوسّط: لبنان ليس على خريطة الطاقة الأميركية
المقالة القادمةدبوسي: رجل مشروع لا رجل ظرف… هكذا نقرأ تجربة رفيق الحريري اليوم