الرئيسية اقتصاد لبنان خريطة طريق ماليّة-سياسيّة: تأجيل الانتخابات واتفاق الصندوق

خريطة طريق ماليّة-سياسيّة: تأجيل الانتخابات واتفاق الصندوق

عقب انتهاء الزيارة الأخيرة لبعثة صندوق النقد الدولي، بدأت ترتسم شيئًا فشيئًا خريطة الطريق الماليّة التي تراهن عليها السلطات اللبنانيّة، ابتداءً من الخطوات المطلوب تنفيذها قبل ربيع هذا العام، ثم الاتفاق المبدئي المنتظر مع الصندوق في شهر نيسان، وصولًا إلى شروط الاتفاق المُفترض تنفيذها لاحقًا. وفي بعض عواصم “الخماسيّة”، بدأت تتكوّن انطباعات مفادها أنّ إمكانيّة تنفيذ هذه الرهانات الماليّة، وفي هذه المواعيد بالذات، صارت مرتبطة بتأجيل الانتخابات النيابيّة، التي يُفترض أن يحل موعدها في شهر أيّار المقبل. وذلك ما يعني أنّ هذه الأوساط الدبلوماسيّة ترى أنّ المضي بهذا المسار المالي لن يستقيم في حال عدم تأجيل الانتخابات.

بهذا المعنى، يرتسم تدريجيًا -في الداخل والخارج- جدول زمني تتداخل فيه الاستحقاقات والرهانات الماليّة بالخيارات السياسيّة والمحطات الدستوريّة: تأجيل الانتخابات، وتنفيذ الخطوات الماليّة، وعقد الاتقاق المبدئي مع الصندوق. وما تبقى هنا، ليس سوى الإخراج السياسي للتنفيذ.

خطوات ما قبل الاتفاق وبعده

تشير مصادر وزاريّة مُطّلعة على المحادثات مع صندوق النقد الدولي إلى أنّ الجانب اللبناني يسعى إلى تحقيق شرطين من شروط الصندوق، قبل حلول موعد اجتماعات الربيع المُزمع عقدها في شهر نيسان المقبل:

الخطوة الأولى، هي إقرار تعديلات قانون إصلاح أوضاع المصارف، في البرلمان. مع الإشارة إلى أنّ البرلمان كان قد صادق على هذا القانون في أواخر شهر تمّوز الماضي، إلا أنّ صندوق النقد أبدى ملاحظات عديدة، أهمها تلك التي تطال تركيبة الهيئة المصرفيّة العليا وآليّات الطعن بقراراتها. ولهذا السبب، اضطرّت الحكومة لإعداد مشروع قانون جديد لتعديل هذا القانون، ومن المفترض أن تبدأ لجنة المال والموازنة بمناقشة هذا المشروع يوم غدٍ الثلاثاء. ويقتضي التنويه أنّ هذا القانون يُحدد تركيبة الهيئة المصرفيّة العليا وصلاحيّاتها في إطار عمليّة إعادة هيكلة المصارف، كما يحدّد أصول تقييم المصارف التجاريّة واتخاذ القرارات بشأنها.

أمّا الخطوة الثانية، فهي إقرار الإطار المالي المتوسّط الأجل، وهو خطّة خمسيّة (لخمس سنوات) يُفترض أن تحدّد الإيرادات والنفقات المتوقّعة، وهو ما سيشكّل القاعدة التي يمكن الاستناد إليها عند إعداد موازنات السنوات المقبلة. وستمثّل هذه الخطّة حجر الزاوية الذي ستستند إليه الدولة اللبنانيّة، عند التفاوض مع حملة السندات على إعادة هيكلة الديون السياديّة. ومن المفترض أن يتوازى إعداد هذه الخطّة مع المصادقة على مشروع قانون جديد لضريبة الدخل، بهدف إعادة تحديد آليّات احتساب وجباية الضرائب على الأرباح والرواتب.

بعد إقرار الخطوتين، يمكن عندها إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد، أي ما يُعرف بـ “اتفاق على مستوى الموظفين Staff-Level Agreement”، في شهر نيسان المقبل. ومن المعلوم أن اتفاقًا من هذا النوع لن يعني تمكين لبنان من الاستفادة من تمويل الصندوق، كما لن يفتح الطريق بشكلٍ حتمي أمام اتفاق نهائي معه. غير أنّ الاتفاق البدئي سينص على مجموعة من الشروط التي يفترض أن تحققها السلطات اللبنانيّة، لتتمكّن من العبور إلى اتّفاق نهائي مع الصندوق. وكان لبنان قد وقّع اتفاقًا من هذا النوع في نيسان 2022، قبيل الانتخابات النيابيّة، غير أنّ عدم تنفيذ شروط الاتفاق أبقاه حبرًا على ورق.

بهذا الشكل، سيكون مستبعداً أن يفرغ البرلمان من مناقشة وإقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة، قبل توقيع الاتفاق المبدئي في شهر نيسان. لكنّ إقرار هذا القانون سيكون أحد شروط الاتفاق المبدئي نفسه، ما يفرض إقرار هذا القانون بعد شهر نيسان لتمكين لبنان من الانتقال إلى اتفاق نهائي مع الصندوق. ولهذا السبب، تُرجّح المصادر أن يعطي البرلمان الأولويّة لنقاشات تعديل قانون إصلاح المصارف، قبل مناقشة مشروع قانون الفجوة في وقتٍ لاحق.

مصير الاستحقاق الانتخابي

الواضح بحسب عدّة مصادر دبلوماسيّة، هو أنّ ثلاث عواصم، هي باريس وواشنطن والرياض، باتت مقتنعة أنّ تنفيذ هذه الإصلاحات سيكون مستحيلًا في حال عقد الانتخابات النيابيّة في موعدها، في شهر أيّار المقبل.

فمن الناحية العمليّة، وبحسب هذه المصادر، سيكون من المستبعد حصول أي نقاش برلماني جدّي في مسائل حسّاسة مثل مصير الودائع، في حال اتجاه النوّاب إلى انتخابات نيابيّة خلال أقل من ثلاثة أشهر. وكذلك الأمر في الحكومة، بالنسبة لملف الإطار المالي المتوسّط الأجل، ومشروع قانون ضريبة الدخل. وبعد حصول الانتخابات، سيكون على البلاد انتظار اكتمال الاستحقاقات الدستوريّة المتعلّقة بتشكيل الحكومة ومنحها الثقة، قبل عودة الحكومة للعمل على الملفّات الماليّة. ومن غير الأكيد أن تكتمل الاستحقاقات خلال فترة معقولة، كما لا يوجد ما يضمن اكتمالها على نحوٍ يعيد إنتاج حكومة متعاونة مع مطالب المجتمع الدولي بالنسبة للإصلاحات الماليّة.

على هذا الأساس، يمكن فهم ميل هذه العواصم الثلاث لفكرة تأجيل الانتخابات النيابيّة، بموازاة متابعتها لمسار التصحيح المالي. وهذا الميل يرتبط أيضًا بعوامل ذات طابع سياسي، مثل عدم توقّع هذه الدول أي تغيير جدّي في موازين القوى داخل المجلس النيابي، وانتظار اتضّاح المشهد في المفاوضات الإيرانيّة الأميركيّة، بالإضافة إلى المسارات المرتبطة بالإصلاحات الدستوريّة المنصوص عليها في اتفاق الطائف.

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةفوضى في تسعيرة النقل: زيادات عشوائية بنسبة 50%