الرئيسية اقتصاد لبنان رمضان طرابلس… فرصة اقتصادية تنتظر التنظيم

رمضان طرابلس… فرصة اقتصادية تنتظر التنظيم

لشهر رمضان في طرابلس نكهة لا تشبه سواها. مدينة اعتادت، منذ قرون، أن تستقبل الشهر الفضيل بالضوء والروح والناس، فتتحوّل أحياؤها إلى مساحات نابضة بالحياة، وتتزيّن شوارعها بالزخرفات المضيئة، فيما تمتدّ الليالي الرمضانية حتى الفجر، كأنها مهرجانات شعبية مفتوحة لا تعرف التعب.

هذا العام، تبدو التحضيرات جارية على قدم وساق. موائد إفطار يُعلن عنها مسبقًا، أنشطة ومعارض تُحضّر في أكثر من مكان، من معرض رشيد كرامي الدولي إلى الشوارع والساحات، بمشاركة جمعيات وهيئات اجتماعية وإنسانية، إلى جانب جمعية التجار ومؤسسات ناشطة على الساحة الطرابلسية. وتُضاف إلى هذه الأجواء عروض «الفتلة المولوية» التي تضفي بُعدًا روحيًا خاصًا، يختلط فيه السموّ الروحي بحزنٍ عميق لا تزال المدينة ترزح تحت وطأته، بعد فاجعة الأبنية المنهارة وشهدائها.

في موازاة ذلك، تحمل هذه التحضيرات وجهًا آخر، أقلّ احتفالية وأكثر واقعية: الوجه الاقتصادي. فالنشاطات الرمضانية، بما تحمله من معارض وأسواق ومبادرات، تُسهم بطبيعتها في تحريك العجلة الاقتصادية، ولو بصورة مؤقتة، وتخلق حركة بيع وشراء وفرص عمل موسمية، يحتاج إليها أبناء المدينة في ظل الظروف المعيشية الخانقة.

بعض هذه المبادرات يتخذ طابعًا إنسانيًا مباشرًا، عبر جمع تبرعات مالية وغذائية لمساعدة المتضررين من الأبنية المنهارة، وفق آليات تُعلن شفافيتها، وتعكس حجم التآخي الاجتماعي وعمق التفاعل مع الألم المشترك. فشهر رمضان، كما يردّد ناشطون في الجمعيات الخيرية، يبقى بابًا واسعًا للفعل الإنساني، حيث تتكثّف حملات جمع المساعدات وتوضيبها استعدادًا لتوزيعها على العائلات المحتاجة في مختلف أحياء المدينة.

في الأسواق، المشهد لا يقلّ حركة. سوق القمح، وسواه من الأسواق الشعبية، يشهد اكتظاظًا لافتًا، مع اندفاع العائلات لتأمين حاجاتها ومؤونتها لشهر الصيام. غير أن هذه الحيوية التجارية لا تخلو من شوائب، سرعان ما تظهر على رفوف الأسعار.

فعدد من روّاد الأسواق لاحظوا تفاوتًا واضحًا في أسعار السلع الأساسية. بين من يلتزم، على حدّ تعبير أحد المتسوقين، بـ «الربح الحلال»، ومن يستغل حلول الشهر الفضيل لفرض زيادات بحجة الغلاء من المصدر أو ارتفاع أسعار الجملة. ويزداد القلق مع التخوّف المتجدّد من ارتفاع أسعار الخضر والفاكهة، ولا سيما تلك التي تشكّل أساس المائدة الرمضانية، من بقدونس وخيار وبندورة وخس وبقلة، ما يجعل طبق «الفتوش» نفسه عبئًا ماليًا على كثير من العائلات.

هذه الزيادات، التي تتكرّر كل عام، تُبرَّر عادة بحجج تتعلق بالمنتج والمصدر، لكنها في نظر كثيرين نتيجة مباشرة لغياب الرقابة والمحاسبة. بل يذهب بعض المتسوقين أبعد من ذلك، متحدثين عن غضّ نظر رسمي و «رفع قبة باط» عن الأسواق خلال شهر رمضان، في موسم ينتظره بعض التجار لتعويض خسائر الكساد، فيما يدفع المستهلك وحده الثمن، في ظل رواتب هزيلة وأوضاع معيشية لا ترحم.

أمام هذا الواقع، ترتفع أصوات جمعيات أهلية مطالبة بتفعيل الرقابة على الأسعار، بالتوازي مع تشديد الرقابة الصحية، حفاظًا على سلامة وجودة السلع، ومنعًا لاستغلال حاجة الناس في شهر يُفترض أن يكون شهر رحمة وتكافل، لا موسم استنزاف.

يبقى أن ما يشهده معرض رشيد كرامي الدولي وسواه من مساحات خلال هذا الشهر، قادر، لو أُحسن استثماره، على أن يتجاوز الطابع الموسمي، وأن يشكّل مدخلًا لتحريك العجلة الاقتصادية على نحوٍ أكثر انتظامًا وإنمائية. نشاطات يمكن أن تضخ إيرادات، وتوفّر فرص عمل للشباب، وتُسهم في تخفيف حدّة الأزمة الاجتماعية، في مدينة تحتاج، أكثر من أي وقت مضى، إلى رؤية متكاملة، لا تكتفي بالاحتفال، بل تحمي الناس من الاستغلال، وتحوّل المواسم إلى فرص حقيقية للنهوض.

مصدرالديار - دموع الأسمر
المادة السابقةروابط القطاع العام: إلى الشارع إذا لم تفِ الدولة بتعهّداتها
المقالة القادمةالصدّي يُنهي دفتر شروط “التدقيق الجنائي”.. ليسلك طريقه إلى “هيئة الشراء العام”