لزيارة رئيس الحكومة اللبنانيّة نوّاف سلام لتركيا أبعادها الجيوسياسيّة، التي لا يمكن أن تخطئها العين، خصوصاً بعدما ربط الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان أمن بلاده الاستراتيجي بما يجري في دمشق وبيروت. وبهذا المعنى، وعلى أساس هذه المعادلة، ستكون الجغرافيا اللبنانيّة وأمنها واستقرارها حاضرة في تصوّرات أردوغان، بالنسبة لدور بلاده الإقليمي، وموقفه من أي تطوّر. وإذا ما استرجعنا طبيعة التأثير والتوجّه التركي في المنطقة من جهة، وحاجة لبنان للدعم السياسي لطي صفحة الحرب وبدء الانسحاب الإسرائيلي من جهة أخرى، يمكن العثور على تقاطعات ذات صلة بمصالح البلدين في المرحلة الراهنة.
لكن على المقلب الآخر، ثمّة حسابات أخرى تقف في المساحة المتداخلة ما بين الاقتصاد والمتغيّرات الجيوسياسيّة. فلبنان يقف عند مفترق طرق، ما بين مشاريع الممرّات الاقتصاديّة وسلاسل توريد الطاقة على مستوى الإقليم. وله قطاع بترولي لم يولد بعد، ولم تُحدد له وظيفة أو دور بين كل تلك المشاريع. ولتركيا طموحاتها الواضحة وضوح الشمس: أن تكون مركزاً إقليمياً لتجميع وإعادة تصدير مصادر الطاقة. وبعد أن اتخذ لبنان سابقاً خطوات تم تفسيرها على أنّها اقتراب من المشاريع المناوئة للطموحات التركيّة، تأتي زيارة سلام لتضع توازناً في دور لبنان الإقليمي، على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي.
الدور التركي ومُعارضوه
كان أردوغان صريحاً، منذ زمن طويل، بالنسبة لطموحات لبلاده في مجال الطاقة: أن تكون مركزاً إقليمياً لتوزيع الغاز، وممراً ونقطة ربط ما بين كبار المنتجين في آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وروسيا والخليج العربي، وكبرى التكتلات الصناعيّة المُستوردة لمصادرة الطاقة في أوروبا.
وفي واقع الأمر، ترجم أردوغان هذا الطموح بمشاريع إستراتيجيّة تخدم هذه الغاية، عبر ربط بلاده بخطوط الغاز المتّجهة من روسيا وأذربيجان، وتلك المتجهة -من ناحية أخرى- إلى السوق الأوروبية. وبعد أن بلغت قدرة تخزين الغاز التركيّة 6.3 مليارات مكعّب، وضعت البلاد خططاً لزيادة هذه الكميّة إلى 12 مليار متر مكعّب بحلول العام 2030.
وكانت تطوّرات الأعوام الماضية قد صبّت لمصلحة هذا الطموح التركي، وجعلته أكثر واقعيّة. فالغزو الروسي لأوكرانيا أدّى إلى فرض عقوبات على موسكو، وهذا ما زاد من حاجة أوروبا للدور التركي في قطاع الطاقة. وحتّى لو رُفعت العقوبات مستقبلاً عن روسيا، باتت أوروبا تدرك جيداً خطر الارتهان الاستراتيجي للغاز المتدفّق من روسيا.
لاحقاً، جاء سقوط نظام الأسد في سوريا، وهذا ما فتح -ولو من باب الطموح المستقبلي- مشاريع الربط مع دول الخليج، بعد أن ظلّت هذه الأفكار مجرّد احتمالات تنتظر الظرف السياسي الملائم لعقود. كما دخل العراق على خط المشاريع الاقتصاديّة الكبرى، بمشروع طريق التنمية، المُمكن تطويره تدريجياً ليشمل مشاريع نقل مصادر الطاقة بين الخليج وتركيا. أمّا الحرب الأخيرة، فأظهرت لدول الخليج العربيّة مدى خطورة الاعتماد الشديد على مضيق هرمز لتصدير النفط والغاز، وهذا ما فرض تلقائياً النظر في سلاسل توريد بديلة على المستوى الإقليمي.
لكن للدور التركي مناوئيه على مستوى المنطقة، الذين يحاولون طرح مشاريع بديلة تتخطى أنقرة. فقبل أيام قليلة فقط، طلقت إسرائيل وقبرص واليونان والولايات المتحدة مركز شرق المتوسّط للطاقة، بهدف تعزيز التعاون في مشاريع الغاز والبنية التحتيّة للطاقة “تطوير الربط بين شرق المتوسّط وأوروبا”. ولهذه الطموحات ترجمتها العمليّة: مسار بديل لخطوط إمداد الطاقة، تتوسّطه إسرائيل وقبرص واليونان، لربط الشرق الأوسط بأوروبا. ويمكن لهذا الخط أن يتكامل مع سائر مشاريع الربط التجاري بين جنوب آسيا وأوروبا، وهذا ما يعطي الدول الثلاث نفوذاً استراتيجياً استثنائياً.
لبنان على مفترق الطرق
لم يدخل لبنان بعد مرحلة الاستثمار في قطاع استخراج الغاز، كما فرمل منذ سنوات عمليّات الاستكشاف والتنقيب بانتظار استقرار الأوضاع الأمنيّة والعسكريّة في الجنوب. غير أنّ الخطوات التي يمكن القيام بها اليوم، قد تؤسّس لمسارات طويلة الأمد في هذا المجال مستقبلاً. أو بعبارة أخرى، قد تفرض قرارات اليوم الانحياز لخيارات محددة، في ما يخص الصراع الإقليمي على خطوط توريد الطاقة. وهذا ما سيحدد الدور الوظيفي لقطاع الطاقة اللبناني في المنطقة.
في أيلول 2025، وقّع لبنان اتفاقيّة ترسيم الحدود البحريّة مع قبرص، وهو ما فسّره البعض على أنّه اقتراب للبنان نحو مدار المشاريع المناوئة للدور التركي في المنطقة. وتم تبرير هذه الفكرة بكون بيروت وقّعت الاتفاقيّة، قبل أن ترسّم سوريا حدودها البحريّة مع قبرص، وقبل أن تعالج تركيا مشاكلها الحدوديّة مع الجزيرة.
ولتعزيز هذه النظريّة، تم التساؤل عن سبب الاستعجال في توقيع الاتفاقيّة، بدلاً من ترسيم الحدود البحريّة اللبنانيّة السوريّة أولاً، من ثم التوجّه للتفاوض مع قبرص كطرف واحد، لتفادي احتساب تأثير الشاطئ القبرصي في الترسيم مرّتين (عند الترسيم مع لبنان وسوريا). كما تمّ ربط هذه الخطوة بمشاريع أخرى بدأ الحديث عنها، في مجال الربط الكهربائي بين لبنان وقبرص.
بعد كل هذه النقاشات والتساؤلات، تأتي زيارة سلام لتركيا لتثبّت توازناً واضحاً في موقع لبنان الإقليمي. فهي تفتح أولاً باب البحث في التقاطعات الممكنة بين بيروت وأنقرة، على مستوى مشاريع الطاقة الاستراتيجيّة في المستقبل. بل حتّى على مستوى الدور اللوجستي الذي يمكن أن تلعبه بيروت، في مسار إعادة الإعمار في سوريا. والزيارة تأتي في توقيتٍ سياسيٍ حسّاس، بموازاة التفاوض اللبناني الإسرائيلي على ملفّ الانسحاب من الجنوب وطي صفحة الحرب، وهو ما يسمح لأنقرة بلعب دور في دعم الموقف اللبناني.



