الرئيسية اقتصاد لبنان سياسة النقل ليست «رأياً شخصياً»!

سياسة النقل ليست «رأياً شخصياً»!

في بلد يكاد يختنق يومياً بازدحام السير، يصبح تصريح وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني عن غياب الجدوى الاقتصادية لتشغيل قطار على الخط الساحلي بين بيروت وجونية، أكثر من مجرد «رأي» شخصي، على حدّ تعبير رسامني. فغير مجدٍ مقارنة بماذا؟ بالوقت المهدور؟ بالاستنزاف الجسدي والنفسي؟ بالكلفة الاقتصادية الخاصة والعامة؟ بتلوث البيئة؟ بحوادث السير وضحاياها؟

يشير الباحث في مجال النقل علي الزين إلى أن «تقديرات البنك الدولي وإدارة الإحصاء المركزي تُظهر أن نحو 15% من إنفاق الأسر اللبنانية يُصرف على قطاع النقل، فيما يُستنزف القسم الأكبر من هذا الإنفاق على كلفة امتلاك السيارة الخاصة وتشغيلها، من شراء المحروقات إلى الصيانة والرسوم وسائر الأعباء المرافقة».

ويضاف إلى ذلك «نزيف العملة الصعبة في اقتصاد مأزوم، نتيجة إنفاق يراوح بين 3 و4 مليارات دولار سنوياً على استيراد المحروقات والسيارات وقطعها ومستلزماتها. أما على المستوى البيئي، فتقدَّر الخسائر الناتجة من النقل البري بقرابة 1% إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي».

في المقابل، يوفر تشغيل قطار مزايا هائلة على مختلف الأصعدة. فهو «ينتج انبعاثات أقل بكثير، ويؤمّن مستوى أمان أعلى وقدرة استيعابية تفوق الطرق بعدة أضعاف. كما يتميز بموثوقية زمنية وكفاءة أفضل في استهلاك الطاقة، ما يُخفّف الضغط عن الطرق ويُحسّن حركة التنقل عموماً.

وعلى المدى البعيد، يُشكّل القطار استثماراً اقتصادياً واجتماعياً مجدياً، عبر خفض كلفة التنقل، تحسين الإنتاجية وتقليل الحوادث والتلوث. وتبرز جدواه القصوى عندما يُدرج ضمن شبكة نقل متكاملة تربط بين القطار ووسائل النقل الأخرى وتخدم التنمية المتوازنة».

حجج واهية
ومع ذلك، يتبنى وزير النقل رأياً مغايراً. يقول الزين إن «الذريعة التقنية التي تُستخدم لتبرير رفض القطار تبدو واهية. التعديات، التعقيد الجغرافي، كلها حجج سقطت في بلدان أصعب بكثير من لبنان.

سويسرا، التي تُضرب مثلاً في كفاءة القطارات، ليست أقل تعقيداً من حيث التضاريس. الفرق ليس في الطبيعة، بل في الدولة. لا شيء يمنع تقنياً إنشاء سكك حديد في لبنان، وكل ما يُقال عكس ذلك ليس سوى غطاء لغياب الإرادة السياسية».

وعن القول إن إنشاء القطار سيُسبب زحمة سير إضافية، يرى الزين أنه «مثال صارخ على التفكير القصير المدى. نعم، أي مشروع بنيوي كبير يخلق إرباكاً مرحلياً، لكن الدول التي تحترم مواطنيها تدير هذا الإرباك ولا تهرب منه. استخدام الزحمة ذريعة لعدم الحل هو كمن يرفض العلاج لأنه مؤلم في بدايته».

رغم ذلك، لا ينظر الزين إلى القطار كأولوية. فالأولوية، بالنسبة إليه، «هي للنقل المشترك حالياً. القطار يأتي في آخر السلسلة. يجب تنظيم النقل، الحد من الزحمة، تخفيف عدد السيارات ونقل أكبر قدر من الناس عبر النقل الجماعي وليس بالضرورة القطار».

الأخطر أن لبنان لا يفتقر فقط إلى المشاريع، بل حتى إلى الخطط. لا دراسات جدوى، لا رؤية طويلة الأمد ولا كفاءات متخصصة داخل وزارة النقل. يروي الزين أن «مسؤولاً فرنسياً أبلغني أنه لم يجد في الوزارة من يفهم أساسيات النقل. هذا ليس تفصيلاً، بل فضيحة دولة. فدراسة جدوى جدية لقطار تحتاج إلى سنوات، تبدأ بفهم كيف يتنقّل الناس، أين يسكنون، أين يعملون، وكيف تتغيّر أنماط حياتهم.».

المثال الأوضح، على ذلك، «تجربة الباصات التي قدمتها فرنسا كهبة للبنان. وُضعت الباصات على الطرقات من دون هدف، من دون شبكة واضحة ومن دون ربطها بخطة شاملة. ففقدت جدواها قبل أن تبدأ. كان يمكن أن تنجح لو طُبّقت ضمن منطقة محددة وبمنطق تجريبي واضح، لكن غياب الرؤية حوّلها إلى ديكور».

في الجوهر ما نشهده ليس فشلاً بل خطة مدروسة ومقصودة. يعتبر الزين أن «الدولة اللبنانية مستفيدة من الوضع القائم. استيراد سيارات، تحصيل رسوم وضرائب، اعتماد شبه كامل على أوتوستراد واحد وترك الكارتيلات تتحكم fالسوق. أما النقل المشترك، فيتطلب استثماراً وكلفة والتزاماً طويل الأمد. لذا، لا يُنظر إليه كخدمة عامة، بل كعبء».

مصدرجريدة الأخبار - رضا صوايا
المادة السابقةالنفقات لا تشمل استحقاقات أبرزها الـ 1.2 مليار دولار العراقية | البنك الدولي: لماذا لم تتضمن الموازنة ضريبة على الثروة؟
المقالة القادمةدولة تصرف قبل أن تحاسب