ارتفع الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك في لبنان بنسبة لامست 10% خلال النصف الأول من عام 2026. وتكشف أرقام إدارة الإحصاء المركزي أنّ استقرار سعر صرف الليرة لم يؤدّ إلى استقرار كلفة المعيشة، إذ أعادت الحرب وتداعياتها ضخّ موجة جديدة من التضخم عبر ارتفاع أسعار النفط والطاقة، من دون أن تقابلها أي سياسة حكومية أو نقدية تحدّ من انتقالها إلى المستهلك.
ولم يبقَ أثر هذه الصدمة محصوراً في أسعار المحروقات. فالاقتصاد الذي يستورد غالبية حاجاته، كالاقتصاد اللبناني، ويعتمد على المحروقات المستوردة لتأمين النقل والكهرباء والإنتاج، تتحوّل أي زيادة في أسعار النفط سريعاً إلى كلفة إضافية تدخل في سعر كل سلعة تصل إلى السوق تقريباً.
تصدّر النقل أبواب الإنفاق الأكثر ارتفاعاً، إذ زاد مؤشره بنسبة 29.07% منذ بداية السنة وهذه الزيادة لا تعني فقط أن المواطن صار يدفع أكثر لقاء التنقّل أو شراء البنزين، بل إنها ترفع أيضاً كلفة نقل المواد الغذائية والبضائع وتشغيل المؤسسات والآليات الزراعية وسلاسل التوزيع. لذلك، يتحوّل ارتفاع المحروقات إلى مضاعف للتضخم، ينتقل من قطاع النقل إلى مجمل الاقتصاد. وجاء بند المياه والكهرباء والغاز والمحروقات الأخرى في المرتبة التالية، بارتفاع بلغ 23.14% منذ بداية السنة.
ويكشف ذلك حجم اعتماد الأسر والمؤسسات على مصادر الطاقة الخاصة، خصوصاً المولّدات. فكل ارتفاع في سعر المازوت ينعكس على فواتير الكهرباء والمياه، ما يجعل صدمة الطاقة عبئاً مباشراً لا تملك الأسر إمكان تفاديه. كذلك، صعدت أسعار المطاعم والفنادق بنسبة 13% منذ بداية السنة، نتيجة ارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية والنقل. أمّا أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الروحية، فارتفعت بنسبة 7.3%. وهكذا، فإنّ البنود التي ترتفع أكثر هي نفسها البنود الأساسية التي لا يمكن تقليصها بسهولة، ولا يمكن الاستغناء عنها، ومن المُفترض أنّها حقوق الطبيعية للمواطن في أي دولة.
صحيح أنّ الحرب شكّلت الشرارة الأساسية لموجة الغلاء الأخيرة، إلا أنّ أثرها لم يكن ليبلغ هذا الحجم لو لم يدخل إلى اقتصاد مكشوف، بلا سياسات حماية أو أدوات امتصاص للصدمات. فالدولة لا تستطيع التحكّم بأسعار النفط العالمية، لكنها تستطيع التأثير في طريقة انتقالها إلى السوق المحلية. إلا أنّ السلطة لم تتعامل مع ارتفاع الأسعار بوصفه خطراً اقتصادياً واجتماعياً يحتاج إلى تدخّل. فلا توجد سياسة معلنة للحد من انتقال صدمة الطاقة إلى كلفة المعيشة، ولا آلية تضمن أن تنخفض أسعار السلع عندما تتراجع كلفة الاستيراد أو المحروقات.
فالزيادات تنتقل سريعاً إلى المستهلك، بينما لا تنعكس الانخفاضات بالسرعة نفسها. وهذا أساساً ما يتساءل عنه كثر خصوصاً مع كل جدول جديد يظهر فيه تعديلٌ في أسعار المحروقات، فما إن ترتفع أسعار النفط العالمية حتى يصدر الجدول الجديد معلناً الزيادة خلال ساعات، بينما نادراً ما تنخفض الأسعار بالقدر نفسه. عدا أنّ السلطة واصلت استخدام المحروقات أداةً للجباية وتمويل الإنفاق العام. وبذلك، لم تكتفِ بعدم امتصاص الصدمة الخارجية، بل أضافت إليها أعباء محلية من خلال الرسوم المفروضة على البنزين.
في المقابل، يتصرّف مصرف لبنان وكأن تثبيت سعر صرف الدولار يكفي وحده لتحقيق استقرار الأسعار. إلا أن أرقام النصف الأول من السنة تثبت العكس. أي إنّ الاستقرار النقدي الظاهري لم يمنع تآكل القدرة الشرائية، لأن التضخّم جاء هذه المرة من ارتفاع كلفة الطاقة والسلع المستوردة والخدمات المحلية. ومن المهام الأساسية لأي مصرف مركزي، الحفاظ على استقرار الأسعار، لا مجرّد تثبيت سعر الصرف. لكن مصرف لبنان لا يعلن هدفاً واضحاً للتضخّم ولا يعرض سياسة اقتصادية أو نقدية لمواجهته.
وهكذا، لا تعني زيادة الأسعار سوى اقتطاع جزء إضافي من القدرة الشرائية، في وقت بقيت فيه المداخيل ثابتة أو تراجعت، فيما خسر عدد كبير من اللبنانيين مصادر رزقهم كلياً بفعل الحرب، وفق ما أظهره التقرير الأخير لمنظمة العمل الدولية. وعليه، لم تبدأ موجة التضخم من أرضية اقتصادية مستقرة، بل أصابت أسراً كانت مداخيلها متآكلة أو متوقّفة أصلاً. وفي النتيجة، يتحمّل المستهلك الكلفة كاملة، فيما تبقى السلطة، التي تدرك جيداً طبيعة هذه الحلقة، عاجزة عن كسرها، جلّ ما تفعله هو المزيد من الاستدانة لدعم بعض الأسر بمبلغ لا يكاد يكفي قوت أيام معدودة.



