عناوين جذّابة تخترق آذان اللبنانيين منذ سنوات حاملة إليهم وَهم حلّ مشكلة الكهرباء بسهولة. هي العناوين المتفرّعة من الشعار الكبير: مشاريع الطاقة المتجدّدة. وإذ تقدّم تلك الطاقة التي لا تنضَب، أملاً بالخلاص من فواتير المولّدات الخاصة، فإنَّ طريقة إدارة الملف والنتائج الهزيلة المحقّقة على أرض الواقع، والأحوال السياسية والاقتصادية والأمنية في لبنان والمنطقة، تؤكّد أنّ الوعود التي يسمعها اللبنانيون، ليست قابلة للتحقّق. فالمشاريع كبيرة وأكلافها هائلة والدولة عاجزة والمتموِّلون يريدون ضمانات لاستعادة أموالهم فيما لو أقدَموا على الاستثمار وسط ظروف غامضة وغير آمنة. ومع ذلك، لا يكلّ المهتمّون بهذه المشاريع من فتح دفاترهم القديمة التي تنكأ مع كل صفحة منها جراح اللبنانيين الذين علّمتهم التجربة أنّ الكهرباء تحوّلت تدريجياً إلى خدمة لا يحصل عليها إلاّ مَن يملك أموالاً طائلة، وسط استقالة الدولة من مهامها في تقديم الخدمات لمواطنيها، وحماية مصالحهم.
زعزعة الأمن
تتحارب الدول ويختلّ الاستقرار الداخلي وتثور شعوب ضدّ حكوماتها تحت مظلّة ضمان إمدادات الطاقة. وللحفاظ على الأمن الطاقوي، تلجأ الدول الكبرى إلى توسيع هامش الاعتماد على الطاقة البديلة لتأمين مصادر مستدامة والابتعاد عن آثار السيطرة السياسية والاقتصادية للمتحكّمين بمصادر الطاقة التقليدية، وتحديداً شركات النفط.
لكن هذا المسعى لا يزال بعيداً عن لبنان، ذلك أنَّ السلطة السياسية فيه لا تهتمّ لشبكة أمن مواطنيها، ومن ضمنها أمن الطاقة، ولأنَّ تلك السلطة تعرف كيف تخدّر أتباعها، فلا يهتزّ عرشها. ومع أنّ مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في بيروت ووزير البيئة السابق ناصر ياسين اعتبر أنَّ “أزمة الطاقة باتت تهز الحكومات وأضحت جزءاً أساسياً من الأمن العالمي، وجزءاً من زعزعة هذا الأمن”، يبقى أنّ لبنان غير معنيّ بهذه المعادلة. فعوضَ تأمين الكهرباء والتطلّع لزيادة ساعات التغذية والاعتماد على الطاقة المتجدّدة، فضّلت السلطة ترك مواطنيها “يعتمدون بصورة شبه كاملة على حلولهم الفردية ولا سيما المولّدات، في أوضح تجليات الخصخصة الفوضوية”، وفق توصيف ياسين، الذي اعتبر في حديث إلى “المدن” على هامش منتدى بيروت للطاقة 2026، الذي افتُتح يوم أمس، أنَّ الوضع صعب، لكنّه لا يمنع البحث عن حلول في مجال الطاقة المتجدّدة، التي يحقّق لبنان عبرها “ثلاثة مكاسب أساسية، هي خفض التكاليف الاقتصادية بنحو 40 بالمئة، تقليص الانبعاثات بنسبة 43 بالمئة، تحسين الأوضاع المالية للدولة. وفي هذا السياق، فإنَّ خفض التلوث، يخفّض الفاتورة الصحية”.
وإذ يأمل ياسين في “التوسّع الجدّي والمنظّم لقطاع الطاقة المتجددة للوصول إلى إنتاجية بقدرة 5700 ميغاوات بحلول 2030″، لا يخفي بأنّ هذا التحوّل يتطلّب استثمارات “يقدّرها الخبراء بنحو 6 مليارات دولار، مطلوبة للانتقال إلى الطاقة المتجددة خلال 5 إلى 6 سنوات مقبلة”.
صعوبة جذب الاستثمارات
برأي ياسين، “الحكومة لا تستطيع تأمين التمويل وليس مطلوباً منها تأمينه، ولذلك علينا جذب الاستثمارات خلال السنوات الخمس المقبلة. وواحدة من الأدوات التمويلية هي مرفق الاستثمار الأخضر، وأيضاً الصندوق الأخضر للمناخ، الذي يمكن أن يؤمّن مئات ملايين الدولارات لتمويل مشاريع مشتركة بين القطاعين الخاص والعام، أو بين القطاع الخاص والمجتمعات المحلية، وكذلك التمويل التشاركي، من خلال التعاونيات المحلية لجذب المستثمرين لتمويل المشاريع”. وبما أنّ الدولة لا تملك التمويل، يبقى عليها “القيام بالأطر التنظيمية، ومنها إقرار القوانين المتعلّقة بإصلاح القطاع المصرفي ليستقبل الاستثمارات”.
إلى جانب الإطار التنظيمي الذي على الدولة إعداده، يتوجّب عليها “مساعدة الناس في تمويل مشاريع الطاقة الشمسية، إن على مستوى الأفراد أو المؤسسات، عن طريق تأمين قروض مدعومة لأنظمة الطاقة”، وفق ما قاله روح نصر الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة Kypros PV، المعنية بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية.
وأشار نصر في حديث إلى “المدن” إلى أنّ “تركيب أنظمة الطاقة الشمسية ليس بمتناول جميع الناس اليوم. فالنظام المخصص للمنازل قد يكلّف نحو 5000 دولار، فيما قد يكلّف النظام المخصّص للمعامل أكثر من 100 ألف دولار”. وفي نظره، إذا أمَّنت الدولة قروضاً مدعومة للمواطنين وللمؤسسات الصناعية والزراعية “تشجّعهم على التوجّه نحو هذه الأنظمة، وتساهم في زيادة الطلب عليها، وتالياً توسيع نشاط الشركات العاملة في هذا المجال، وحكماً، توسيع استثماراتها، وهو ما يشكّل عامل جذب للمستثمرين”.
وفي الوقت عينه، أكّدت عضو الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء سورينا مرتضى أنّه “لا يمكن جذب الاستثمارات ما لم تتحقّق الإصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء، وعلى رأسها بناء شبكة نقل قادرة على استيعاب الإنتاج الجديد، فضلاً عن وضع قواعد قانونية واضحة”. وقالت مرتضى في حديث إلى “المدن” إنّ الهيئة تعمل مع وزارة الطاقة على جملة من الإصلاحات التي تطال “التوزيع وخفض الهدر وتحسين الجباية”، إلاّ أنّ ذلك غير كافٍ، إذ “يبقى النقص في الضمانات التمويلية، ونعمل على حلّها مع المانحين الدوليين مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرها”.
جمهورية المولّدات
يبدو الحديث عن مشاريع الطاقة المتجّددة تَرفاً في عزّ الأزمة التي يمرّ بها لبنان، ولا تملك السلطة السياسية القدرة على عزل الملفّات الخدماتية عن التجاذبات السياسية. ومع ذلك، لا ضرر من البحث عن حلول مستدامة لمشكلة الكهرباء المستدامة، لو أنّ السلطة ترسل للمواطنين ما يمنح الثقة بها. فرغم مظاهر الإصلاح التي شهدها القطاع، بدءاً من تعيين أعضاء الهيئة الناظمة بعد أكثر 20 عاماً من تعطيل التعيين، ومباشرتها عملها على أكثر من صعيد في ملف الكهرباء، إلاّ أنّ النَظَر إلى البعيد وتجاهل ما يقبع تحت الأرجل، يعني الخروج عن الواقع إلى أرض الأحلام. مع أنّ الشركات المعنية بمختلف حاجات قطاع الطاقة المتجدّدة، من أنظمة وبرمجيات ومعدّات خفيفة وثقيلة، يُجمِعون على أنّ الواقع الراهن لا يؤسّس للانتقال إلى اعتماد ملموس وحقيقي على الطاقة المستدامة، وفي مقدّمها الطاقة الشمسية.
فالسلطة فوّتَت على نفسها وعلى مواطنيها فرصة إدخال معامل الطاقة الشمسية إلى دائرة إنتاج الكهرباء، وفضَّلَت استمرار الاعتماد على الفيول لأن فرص التلاعب فيه أكبر، وبالتالي، تزيد فرص تحقيق الأرباح المالية للمستفيدين. وجرى الإتيان ببواخر الطاقة وبواخر الفيول، واستمر استنزاف شبكات النقل والتغاضي عن ارتفاع حجم الهدر الفني وغير الفني للكهرباء. وجرى تفريغ مؤسسة كهرباء لبنان من مضمونها كمؤسسة منتجة ورابحة، حتى أصبحت المولّدات الخاصة جمهورية تحكم مشتركيها بقانون مؤلّف من مادة واحدة: لا كهرباء بلا مال. فيما التسعيرة فضفاضة، تشبه تهديد الدولة ووعيدها بضبط التجاوزات وقمع المخالفات.
وعليه، لا يغني البحث في مجال التحوّل إلى أنظمة الطاقة المستدامة، عن البحث في واقع مسؤولية الدولة عن تأمين الكهرباء لمواطنيها في معرض بحثها عن التطوير. لأن التطوير يحتاج إلى أسس، ولا يمكن التأسيس على ساعتين من الكهرباء يومياً، وترك اللبنانيين يستنزفون أموالهم في فواتير المولّدات أو بناء أنظمة طاقة شمسية خاصة. وعلى هذا النهج، سيسقط اللبنانيون تباعاً تحت ثقل الفواتير وغياب كهرباء الدولة، وتصبح الكهرباء حكراً على مَن يملك المال فقط.



