الرئيسية اقتصاد لبنان “طريق النحل” مسدودة جنوباً:إسرائيل تقتل القفران وخسائر فادحة

“طريق النحل” مسدودة جنوباً:إسرائيل تقتل القفران وخسائر فادحة

“النحل بالنسبة لي ليس مشروعًا جانبيًا ولا هواية موسمية، بل مصدر رزقي الوحيد الذي خسرته”، يقول نبيل أيوب النحال الآتي من بلدة الشهابية، والنازح حالياً في المتن لـ”المدن”، وهو الذي كان يملك نحو 370 خلية نحل قبل أن تمتد الحرب إلى مناحله.

حتى اليوم، يؤكد أن ما لا يقل عن 90 خلية تعرضت للتلف المباشر، فيما يرجح أن الرقم الحقيقي أكبر بكثير، لأن جزءًا من المناحل ما زال خارج نطاق الوصول والمعاينة، معلقا بين الخطر والغياب.

ليست هذه المرة الأولى التي يدفع فيها النحالون ثمن الحروب الإسرائيلية. في كل جولة تصعيد، يتقدم النحل إلى واجهة الخسارة بصمت. تتضرر القفران، يضيع العسل، وتنهار مواسم كاملة من العمل، فيما يفقد بعض النحالين حياتهم أثناء محاولتهم الوصول إلى رزقهم في المناطق المستهدفة.

مهنته مهددة

أمضى نبيل أيوب 35 عاماً في هذه المهنة. على امتداد تلك السنوات، لم يكن يربي النحل فحسب، بل كان ينسج علاقة دقيقة بين الخلية والمكان، موزعاً مناحله بين الشهابية ودير كيفا وسلعا ومعركة، مستفيداً من تنوع الطبيعة والمراعي التي يحتاجها النحل كي يعيش ويُنتج. لكن الحرب، كعادتها، لم تترك للجغرافيا وظيفتها، حوّلت هذه المساحات المنتجة إلى مناطق معزولة، ثقيلة الوصول، ومفتوحة على الخطر.

يشرح أيوب لـ”المدن” أنه فقد، منذ الأشهر الأولى للحرب، القدرة على متابعة مناحله. الطرقات مقطوعة، والمواقع التي تنتشر فيها الخلايا مصنفة مناطق خطرة، خصوصاً أنها تقع في الوديان والأحراج البعيدة عن التجمعات السكنية، حيث لا صوت يعلو فوق احتمال القصف.

المفارقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المشهد نفسه. في حرب 2024 خسر نحو 142 خلية. يومها، لم ينسحب من المهنة، بل عاد وبدأ من جديد. استدان المال، وأعاد بناء جزء من المنحل الذي تهدم. لكن الحرب الأخيرة دفعته مجدداً إلى النقطة ذاتها، وكأن السنوات لم تمر. الديون التي تراكمت بعد حرب 2024 ما زالت قائمة حتى اليوم، تثقل يده قبل أن يلمس خلاياه.

لا يخفي أيوب مخاوفه من أن تكون هذه الحرب قد وضعت مساراً مهنياً امتد لأكثر من ثلاثة عقود على حافة النهاية. للمرة الأولى، يصبح احتمال التوقف الكامل عن تربية النحل خياراً مطروحاً. وإن كُتب له الاستمرار وتلقى الدعم، فقد لا يتجاوز ما تبقى بضع عشرات من الخلايا، ما يعني عملياً تحويل مهنة عمره إلى عمل محدود، أقرب إلى هواية منه إلى مصدر رزق. يزيد من شعوره بالعجز أن الوعود التي تلقاها النحالون بالحصول على تعويضات أو قروض ميسرة لم تتحول إلى إجراءات فعلية.

خسارات متتالية

“ما رُمم بعد الحرب الأولى، عاد وتعرّض للتدمير في حرب آذار 2026”. بهذه الكلمات الثقيلة يلخص أسعد بزيع، ابن بلدة زبقين والنازح اليوم إلى زغرتا، علاقة طويلة مع حرب لم تكن بالنسبة إليه حدثاً عابراً، بل قوة لاحقت مشروع عمره أينما حاول أن ينجو به.

في حرب 2024، خسر 108 قفران دُمرت بالكامل بعدما استُهدف المنزل القريب من النحل. سقطت الأنقاض فوق الخلايا، وتحطمت الصناديق الخشبية وتبعثرت في المكان، فيما اختفى قسم منها تحت الركام. وحدها مجموعة صغيرة من نحو 35 قفيراً نجت لأنها كانت تبعد نحو 250 متراً عن موقع الاستهداف.

بعد الحرب، لم يتوقف بزيع عند الخسارة. يشرح لـ “المدن” أن “أعدت بناء ما تهدم، وأنفقت كل ما أملك لأعوض القفران المفقودة وأشتري نحلاً جديداً. لم يكن هدفي في عام 2025 إنتاج العسل بقدر ما كان محاولة لإعادة الحياة إلى مناحل أمضيت أكثر من ثلاثة عقود في بنائها”.

لكن في الحرب المستمرة، انقطع كل شيء. منذ الثاني من آذار، لم يتمكن من الوصول إلى نحله. في الأسابيع الأولى كان القصف المدفعي متواصلاً، ثم طال الاستهداف المناحل نفسها. القفران كانت موزعة بين زبقين والمنصوري، لكن الغارات التي ضربت المنطقتين جعلت أي محاولة اقتراب منها مغامرة محفوفة بالموت. حاول البحث عن أي وسيلة للإنقاذ، راجع منصة وزارة الزراعة المخصصة لنقل الأرزاق من المناطق المهددة، لكن أحداً لم يكن مستعداً للدخول إلى تلك النقاط المكشوفة.

بعد ما سُمي وقف إطلاق النار في نيسان، قرر أن يخوض ما يسميه “المجازفة الكبرى”. صعد إلى المنطقة وجمع نحو 80 قفيراً متبقياً، ثم نقلها بشاحنة صغيرة من المنصوري، الواقعة في منطقة مكشوفة تطل على البياضة حيث يتمركز الجيش الإسرائيلي، إلى زبقين.

لكن حتى تلك المحاولة لم تصمد طويلاً. أعاد توزيع القفران داخل البلدة، قبل أن تعود الغارات وتستهدف المنطقة مجدداً، فتخسر المناحل جزءاً كبيراً من خلاياها.

تمكن فادي المصري من القلة الذين تمكنوا من نقل نحله من عدلون إلى صليما في المتن. في حديثه لـ”المدن”، يصف المصري عملية النقل بأنها كانت محفوفة بالخطر منذ لحظتها الأولى. الطريق لم يكن آمناً، والوقت كان يُقتنص على عجل. “كنا نسرق الوقت سرقة”، يقول، مضيفاً أن لحظات التحرك نفسها كانت تتقاطع مع أصوات الصواريخ، فيما نحاول إنقاذ ما تبقى من خلاياهم تحت ضغط الخوف والسرعة.

ويشير المصري إلى أن قطاع النحل دفع ثمناً بشرياً قاسياً خلال الحرب، إذ سُجل سقوط نحو 72 شهيداً، معظمهم من العاملين في تربية النحل أو من الذين كانوا في طريقهم إلى مناحلهم. “جرمهم أنهم يمكلوا سيارات رابيد للأسف، والعدو لا يرحم” يقول.

لا ينفصل هذا المشهد، في نظره، عن القلق الشخصي الذي رافقه طوال الحرب. “كانت هناك ليالٍ لا أنام فيها… أفكّر بالنحل، ماذا سيحدث لهم إذا استُهدفوا. هذه النحلات مثل أولادي”، يضيف.

لكن معاناة النحالين، كما يراها المصري، لا تبدأ من الحرب ولا تنتهي عندها، بل هي ممتدة في بنية قطاع يعاني أصلًا من هشاشة مزمنة. “الحقيقة، وضع النحّالين في لبنان مزرٍ”، يقول، “لا نعرف من أين نتلقى الصفعات: من الطبيعة، من المؤسسات، من غياب النقابة، أم من القطع الجائر للأشجار. لا يوجد أي حاضن للنحال للأسف”.

ويشير إلى أن النحالين يتبعون لوزارة الزراعة، لكن من دون إطار نقابي فعّال يحميهم أو ينظم عملهم “النقابة موجودة على الورق فقط. مضى عليها سبع سنوات من دون انتساب، من دون مقر، من دون تواصل. عمليًا، لا وجود لها”.

وفي هذا السياق، يوجه المصري ملاحظاته إلى السياسات التنظيمية الأخيرة، لافتًا إلى أن قرار وزارة الزراعة برئاسة الدكتور نزار هاني المتعلق بتنظيم قطاع تربية النحل تضمن نقاطًا إيجابية، لكنه بقي، بحسب رأيه، من دون تشاور كافٍ مع المعنيين. “هناك أمور جيدة في القرار، لكن هناك أيضًا بنود تحتاج إلى تعديل”، يقول، معتبرًا أن غياب اللقاءات مع النقابات الفرعية والجمعيات قبل صدوره جعل القطاع يتلقّاه كقرار مفروض أكثر منه مسارًا تشاركيًا.

مصدرالمدن - نغم ربيع
المادة السابقةإحياء “خط الحجاز”… سكك الحديد تعيد رسم الخريطة