لم تنتهِ الحرب فعلياً، ولا يزال الكثير من الجنوبيين أسرى النزوح القسري، ومَن عاد منهم إلى بيته إثر وقف إطلاق النار في المرحلة الراهنة، يخشى تجدّد الاشتباكات وتكرار رحلة النزوح. والمقلق أنّ ما يحصل في الجنوب من تدمير وقتل على يد العدوّ الإسرائيلي، يتمّ تحت أعين دولية، بعضها يبصر ويعلن تضامنه، وبعضها الآخر يلتفت بالاتجاه المعاكس وكأنّ شيئاً لم يكن. على أنّ التضامن أو التجاهل، لا يغني من جوع، إن لم يرتبط بمفاعيل عملية على أرض الواقع، تفضي إلى وقف الحرب وتدفّق المليارات، وعودة النازحين والبدء بإعادة الإعمار. وإلى حينه، يبقى وجود السفراء الأجانب في الجنوب، ومعاينتهم حجم الدمار، شاهداً حقيقياً بعيون دولية على أهوال الحرب والحاجة الملحّة لوقفها وتمويل إعادة الإعمار.
الدولة في الجنوب
رغم وضوح الصورة في الجنوب، تبقى المعاينة الميدانية هي النافذة الأوسع التي يمكن للرأي العام العالمي الاطّلاع من خلالها على ما يجري. ومن هنا، جاءت زيارة وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكي، إلى الجنوب، يرافقه السفير البلجيكي آرنوت باولز والكندي غريغوري غاليغان والدنماركي كريستوفر فيفيك، بالإضافة إلى النائبة حليمة قعقور والمدير العام لمؤسسة كهرباء لبنان كمال حايك، وفريق تقني من الوزارة.
الجولة الجنوبية انطلقت من ثكنة بنوا بركات في مدينة صور، حيث اجتمع مكي والوفد المرافق، مع قائد منطقة جنوب الليطاني في الجيش اللبناني العميد نقولا تابت، بحضور رئيس اتحاد بلديات صور، رئيس بلدية صور حسن دبوق. ومن الثكنة توجّه مكي والوفد إلى الأحياء التي طالها القصف الإسرائيلي في المدينة، حيث عاينوا آثار الدمار. وبعدها اختتمت الجولة في مبنى البلدية، قبل أن يتوجّه مكي والوفد إلى منطقة النبطية.
ومن ثكنة صور قال مكّي “موجودون هنا لنبعث برسالة مفادها أنّ الدولة حاضرة في الجنوب بكل مؤسساتها. ونحن هنا لنرى كيف يمكننا المساعدة من خلال الوقوف على حجم الأضرار وتقديم الدعم”. وأكّد مكّي أنّ “وجود السفراء في الجنوب أساسي لعملية الحصول على الدعم لإعادة الإعمار ودعم الجيش ودعم النازحين ولمساعدتنا في المحافل الدولية وفي مفاوضاتنا ومواقفنا المحقّة بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وعودة وتقديم الضمانات بعدم حصول اعتداءات”. ولفت النظر إلى أنّ الدولة تعمل على “إعادة مؤسساتها إلى الجنوب، وهذا من أهم مسؤولياتنا”.
ولتأكيد حضور الدولة ومؤسساتها في الجنوب، أكّدت قعقور في حديث لـ”المدن” أنّه “علينا العمل كنواب وحكومة على مستوى الإصلاحات”. إلاّ أنّ وجود الدولة بإمكاناتها القليلة وسط خراب هائل في الجنوب “يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته أيضاً، وخصوصاً لجهة ضمان عدم اعتداء إسرائيل على لبنان واحترامها للقانون الدولي، لأنّ احترام القانون ليس وجهة نظر”. وشدّدت قعقور على أهمية وجود السفراء في الجنوب “لتوثيق جرائم الحرب الإسرائيلية عبر التقارير التي يرسلونها إلى دولهم”. ولفتت النظر إلى أنّه “في وزارة الخارجية البلجيكية، قالوا لنا أنّ تقارير وصلتهم عن جرائم الحرب في لبنان. وهذا ما نهدف إليه لأننا لا نستطيع وحدنا كلبنانيين وقف الجرائم الإسرائيلية، بل نحتاج إلى دعم دولي”.
ومن المؤسسات الرسمية الحاضرة في الجنوب، وتحديداً خلال العدوان، كانت مؤسسة كهرباء لبنان التي أكّد مديرها العام كمال حايك أنّ “مستخدمي المؤسسة قاموا خلال الحرب بالإصلاحات اللازمة في الأماكن التي استطاعوا الوصول إليها من صور إلى حاصبيا وشبعا”. وأشار في حديث لـ”المدن” إلى أنّ “الجيش اللبناني ساعدنا كثيراً من خلال التنسيق مع الميكانيزم، لتأمين وصول المستخدمين وتأمين الكهرباء في الظروف الصعبة”. وأوضح أنّه “بالإمكانيات المالية المتوفرة لدى المؤسسة، استطعنا القيام بالكثير من الإصلاحات في القرى التي شهدت دماراً أقل، لكن تبقى القرى المدمّرة بحاجة إلى تمويل كبير ليس ضمن إمكانيات المؤسسة”. وشدّد على أنّه “من دون الكهرباء لا يمكن تأمين المياه والاتصالات ومختلف مقوّمات الحياة”.
دعم دولي للبنان
بعد الاطلاع على الأوضاع في جنوب الليطاني من العميد تابت عاين السفراء الدمار في مدينة صور. وأعرب السفير البلجيكي، عن تضامنه مع أبناء الجنوب. وأشار إلى أنّ “أعضاء السلك الدبلوماسي الثلاثة، موجودون هنا لدعم نهج الحكومة لمعالجة المشكلات السياسية التي تتجلى في الجنوب”. ورأى أنّه “ضمن النهج الحكومي، هناك دور للجيش اللبناني يفترض أن يؤدّيه”. واعتبر أنّ الارتكابات الإسرائيلية في الجنوب “هي أمور تحتاج إلى التحقيق، وقد تشكّل جرائم حرب وانتهاكات للقانون الإنساني الدولي، وسنواصل متابعتها”.
بدوره قال السفير الكندي إنّ بلاده “ستواصل دعم الحكومة والقوات المسلحة اللبنانية. وكما تعلمون، وستؤدي كندا دورها في دعم لبنان والشعب اللبناني”. ومع ذلك “إلى جانب الدعم الدولي، تقع على عاتق الحكومة اللبنانية مسؤولية الاستجابة لاحتياجات الجنوب، وقيادة هذه الجهود، وتقديم الخدمات لجميع أبناء لبنان. وهذا يشمل تنفيذ إصلاحات هيكلية وإصلاحات اقتصادية، وإصلاحات أمنية، حتى يتمكّن الناس في الجنوب وفي مختلف مناطق لبنان من التمتع بالأمن والاستقرار، وأن يحظوا بالمستقبل الذي يستحقونه، ولا سيما الشباب الذين يأملون في بناء مستقبل لهم في لبنان”. ولفت النظر إلى أنّ كندا “قدّمت إلى جانب العديد من الدول الأخرى، مساعدات إنسانية إلى لبنان. وخلال هذا العام، تعهّدت كندا بتقديم 43 مليون دولار، سيذهب الجزء الأكبر منها لمساعدة الأشخاص الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم بسبب النزاع، ولدعم المجتمعات التي تستضيفهم”.
التمويل هو الأساس
معاينة الدمار مطلوبة لمعرفة ما حلّ بالجنوب، لكنّ المشاهدة وحدها لا تكفي، والإعلان عن التضامن والتعهّد بتقديم المال لا يعني إطلاق ورشة إعادة الإعمار وتأمين عودة النازحين إلى قراهم. وهنا يكمن التحدي الذي يواجه الحكومة والمجتمع الدولي. وبحسب مكّي “حاجات التمويل كبيرة جداً”. على أنّ تأمينها سيكون عبر “جزء تقدّمه الدولة اللبنانية، وجزء يأتي من الهبات والجزء الأكبر سيكون عبر القروض والاستثمارات الكبيرة، وهذا ما نسعى لتأمينه”. وبانتظار التمويل، لفت مكّي النظر إلى أنّ الحكومة “تقوم بوضع استراتيجية لما بعد الحرب، وتحديداً في ما يخصّ إعادة النازحين بأقرب فرصة، ووضع الإمكانيات لتأمين الكهرباء والمياه لأنها من المقومات الأساسية لعودتهم”.
وعلى مستوى إعادة الإعمار، أشار مكّي في حديث لـ”المدن” إلى أنّ “تمويل إعادة الإعمار ينتظر الدول المانحة وكل المعنيين”. لكن لتسهيل تسجيل الأضرار تمهيداً لإعادة الإعمار، أوضح مكّي أنّه “تم إطلاق منصة “دولتي” وهي منصة حكومية إلكترونية تتيح لمن تضرّرت بيوتهم وممتلكاتهم التقدّم إلكترونياً بطلب للحصول على التعويضات، من دون الحاجة للذهاب حضورياً إلى مجلس الجنوب”.
الحمل الأثقل للتمويل، ملقى على عاتق المجتمع الدولي. لكن الرسائل المباشرة وغير المباشرة لهذا المجتمع، تربط الحصول على التمويل بملفات سياسية واقتصادية على لبنان حسمها. وكما للسفراء الأجانب عيون عليها نقل صورة الدمار والارتكابات الإسرائيلية، تنقل تلك العيون الاستعدادات السياسية والاقتصادية التي يقوم بها لبنان. وعليه، رأى رئيس بلدية صور حسن دبوق في حديث لـ”المدن” أنّ “وجود السفراء الأجانب هو مصدر قوة لنا ويعبّر عن النية الجدية لدعم المنطقة والأهالي ومرحلة إعادة الإعمار وتنشيط الحركة الاقتصادية لنستطيع تثبيت الناس بأرضها”. وأكّد أنّ الأولوية هي لوقف الحرب، مشدداً على أننا “نسعى للسلام العادل الذي يعالج المشكلة من أساسها، فإذا لم يكن السلام عادلاً لن يكون مستداماً”. واعتبر أنّ “الاحتلال هو سبب المقاومة التي هي رد فعل على الاحتلال وعلينا إزالة السبب. ونحن شعب يحب السلام، وهذا ما قلناه للسفراء”. ورغم الحاجة إلى التضامن الدولي وتوثيق جرائم الاحتلال بعيون أممية، تبقى التساؤلات مطروحة أمام قدرة تلك العيون على جذب التمويل، كي لا تتحوّل الجولات إلى ما يشبه الرحلات السياحية.



