-تعزيز التعاملات الداخلية بالليرة عبر المصارف
-لا تأثير متوقعاً على سعر الصرف
منذ أن تم إقرار مجلس النواب بالسماح لمصرف لبنان بطباعة فئات نقدية جديدة من الليرة اللبنانية، من بينها فئتا الخمسمئة ألف والمليون ليرة، تطرح تساؤلات حول توقيت طرحها في الأسواق اللبنانية ، ومؤخراً سرت معلمومات عن إمكانية طرحها في وقت قريب ، إلا أنه من المؤكد أن هذا الأمر يعود لمصرف لبنان الذي يقرر الوقت المناسب بعد التحقق من أمنها وتوزيعها والجدوى الإقتصادية والنقدية منها .
وتجدر الإشارة إلى أن الحاجة إلى طرح فئات نقدية عالية (500 ألف ليرة لبنانية، مليون ليرة لبنانية، 5 ملايين ليرة لبنانية) هي نتيجة مباشرة للانخفاض الحاد في قيمة العملة والتضخم المفرط الذي يعاني منه لبنان منذ عام 2019.
والأثر الأهم على الاقتصاد والمواطنين في طباعة هذه الفئات هو سهولة الاستخدام ، إذ يتميز هذا الإجراء بميزة لوجستية أساسية، حيث يُسهّل المعاملات الكبيرة (مثل الرواتب والإيجارات والتحويلات) بتقليل كمية النقد المطلوبة. فبدلاً من امتلاك مئات الأوراق النقدية منخفضة القيمة، سيتمكن الأفراد من حمل عدد قليل منها.
في السياق قال الباحث المقيم لدي كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي في حديث للديار: بالنسبة للإطار القانوني لهذا الموضوع لقد أقرّ مجلس النواب القانون وسمح لمصرف لبنان أن يطبع فئات جديدة من العملة الوطنية، ويعود لمصرف لبنان ان يقرر ما هي الفئات التي يريد يطبعها. ما يعني ان الكرة اصبحت في ملعب مصرف لبنان الذي لديه مسؤوليات إضافية تجاه هذا الموضوع. وعليه هو ان يقرر أي فئات عليه ان يطبعها، وهو يقرر شكل العملة (والديزاين) لها، وهو يقرر اين سيطبعها، وكمية الطباعة، وثم سيقرر بأي طريقة عليه ان يضخها بالسوق المحلي.
ويشرح فحيلي: عند الشروع بطبع أوراق نقدية جديدة، يجب ان يكون هناك جدوى اقتصادية من هذه الطباعة ، وكذلك جدوى نقدية، موضحاً أن الجدوى الإقتصادية بمعنى: معرفة ما إذا كان الأفضل ضخ أوراق نقدية جديدة بالاقتصاد اللبناني، أو التخفيف من حجم اقتصاد الظل والتشجيع على التبادل التجاري وتمويل التبادل التجاري بالليرة اللبنانية في الداخل اللبناني من خلال الخدمات المصرفية، أي بطاقات الدفع، بطاقات الائتمان، الشيكات، والتحويلات المصرفية،”حيث بهذه الحالة تخفف من التداول بالأوراق النقدية”.
وحول ضرورة هذا الأمر يقول فحيلي : لبنان اليوم موضوع على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، وعلى لائحة الدول عالية المخاطر لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من قبل الاتحاد الأوروبي وهذا يعني ان لبنان مأزوم بهذه الحالة ، ويجب أن يكون عليه ضغوطات كي يخفف قدر المستطاع من حجم التداول بالأوراق النقدية.
ويطرح فحيلي أسئلة مشروعة بحسب رأيه حول توقيت الحديث عن هذا الموضوع وهي: هل الأنسب من حيث الجدوى الاقتصادية والنقدية اليوم أن يذهب مصرف لبنان باتجاه تشجيع مكونات المجتمع اللبناني من أفراد ومؤسسات على العودة إلى وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي، أو الذهاب نحو الأوراق النقدية؟ وهل هناك طلب فعلي من مكوّنات المجتمع اللبناني، أفراداً ومؤسسات، على العملة الوطنية لتمويل التبادل التجاري داخل لبنان؟ ، لافتاً أن الجميع يقرّ بأن الاقتصاد اللبناني اقتصاد مُدولر بنسبة مرتفعة جداً. متسائلاً لماذا سيعود المواطن أو المؤسسة إلى استخدام الليرة اللبنانية؟.
وهنا يطرح فحيلي سؤالا أساسيا يتعلق باستمرار فقدان الثقة بالعملة الوطنية، “فهل تؤدي طباعة أوراق نقدية جديدة إلى استعادة هذه الثقة؟”، إذ برأيه الجواب هو لا، لأن الثقة ليست مفقودة بالورقة النقدية نفسها، وبالمنطق نفسه، لا يتجه المواطن اللبناني أو المؤسسات اللبنانية إلى إيداع أموالهم في المصارف بسبب فقدان الثقة بالقطاع المصرفي. وكذلك الأمر بالنسبة للعملة الوطنية، إذ إن الإحجام عن استخدامها يرتبط بفقدان الثقة بالجهة التي تدعمها، معتبراً أن توقيت هذه الخطوة غير مناسب إطلاقاً، كما أن جدواها الاقتصادية تبدو محدودة للغاية.
ورداً على سؤال تأثير طباعة أوراق جديدة على سعر الصرف؟
استبعد فحيلي بالكامل فكرة أن يؤثر هذا الإجراء على سعر الصرف، لأن الليرة اللبنانية لم تعد عملة مضاربة في المشهد النقدي اللبناني. فحجم العرض والطلب عليها لم يعد بالمستوى الذي يمكن أن يُحدث أثراً اقتصادياً ملموساً، سواء من ناحية الكتلة النقدية أو من ناحية انعكاس ذلك على سعر صرف الليرة مقابل أي عملة أجنبية.
لذلك، يرى فحيلي أن مصرف لبنان لن يكون موفقاً في التوقيت إذا كان يفكر جدياً بطرح هذه الأوراق النقدية الجديدة في المستقبل القريب. وإضافة إلى ذلك، إذا كانت هناك منفعة متوقعة من هذه الخطوة، فيجب الأخذ في الاعتبار أن المواطن اللبناني يفضل الاحتفاظ بورقة نقدية بقيمة عشرة أو عشرين دولاراً على حمل ورقة من فئة خمسمئة ألف أو مليون ليرة. وهذا الأمر تعكسه بوضوح ظاهرة الدولرة المنتشرة في الاقتصاد اللبناني، والتي تعيدنا إلى مشكلة فقدان الثقة بالعملة الوطنية.
وشدد فحيلي في الختام على ضرورة إعادة ترميم الثقة بين القطاع المالي ومكونات المجتمع اللبناني من أفراد ومؤسسات، بدلاً من التوجه نحو إصدار فئات نقدية جديدة، متخوفاً من الكلفة الإضافية التي ستترتب على عملية الطباعة، أن تذهب في إطار الهدر ، خصوصاً أن تجربة مماثلة حصلت سابقاً عندما طُبعت أوراق نقدية جديدة من فئة المئة ألف ليرة بالحجم الصغير، وقد تكبدت الدولة كلفة طباعتها، إلا أن هذه الأوراق تكاد تكون مفقودة من التداول اليوم.



