ممّا قاله رئيس الجمهورية جوزف عون في مقابلته المتلفزة الأخيرة: نحن نبني دولة من جديد. الأمور وُضعت على السكة، وشهدنا العديد من الاستثمارات الخارجية. التقرير من حاكم مصرف لبنان جاء فيه أن الأرقام الأولية تشير إلى أن النموّ في الاقتصاد اللبناني بلغ في عام
ممّا قاله رئيس الجمهورية جوزف عون في مقابلته المتلفزة الأخيرة:
نحن نبني دولة من جديد. الأمور وُضعت على السكة، وشهدنا العديد من الاستثمارات الخارجية. التقرير من حاكم مصرف لبنان جاء فيه أن الأرقام الأولية تشير إلى أن النموّ في الاقتصاد اللبناني بلغ في عام 2025 نحو 5%. الإحصاءات المتوفّرة عن عام 2025 تدلّ على تحسّن إيجابي وواضح في أداء القطاع السياحي والصناعي والتجاري والتكنولوجي. بلغت إيرادات وزارة المال، أي الخزينة، خلال عام 2025، ما يوازي ستة مليارات دولار أميركي نقداً، أي أعلى بنحو 25% مما كان متوقّعاً في الموازنة. وتعمل الآن وزارة المال على زيادة الإيرادات عبر تحسين الجباية، إضافة إلى الإيرادات الجمركية ومكافحة التهرّب الضريبي. لقد حقّقت خزينة الدولة وفراً أولياً يتخطّى المليار دولار خلال عام 2025، علماً أنّ لدينا الكثير من المدفوعات. وارتفع احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية ما يقارب 2 مليار دولار، فأصبح 12 مليار دولار في عام 2025 بعدما كان 10 مليارات في عام 2024، كما أن سعر الذهب ارتفع.
كل ذلك يدل على إنجازات ضمن خطّ تصاعدي ولكن خلال عام واحد، لا نملك عصا سحرية كما قلت. ومن المؤكد أن عام 2026 سيكون أفضل. ولا ننسى دور القطاع الخاص، واليوم زارني أحد مديري شركات السيارات، الذي أشار إلى أن هدف الشركة خلال عام 2025 كان بيع 500 سيارة، إلا أنه تمّ بيع 1624 سيارة.
إذاً، نحن على عتبة بناء الدولة من جديد وقد بدأت تظهر معالم هذا البناء الجديد في المؤشّرات المالية لخزينة الدولة ومصرف لبنان وارتفاع سعر الذهب وبيع السيارات. هذا ما قاله رئيس الجمهورية جوزف عون ولا لبس في معطياته. إنما هل يأتي في السياق الصحيح؟ فالتركيز على «الكمّ» لا يُسبِغ معنى على المؤشّرات الرقمية، وبالتأكيد لا يرفعها إلى مستوى «بناء الدولة من جديد».
في الواقع، قد تبدو بعض المؤشّرات بالعكس تماماً عمّا هي عليه؛ مليار دولار فائض أوّلي في الخزينة ليس مؤشّراً جيداً على الإطلاق إلّا بمعنى السياسة التقشّفية المتشدّدة مالياً ونقدياً.
زيادة في احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية بقيمة ملياري دولار لا تعني أن المصرف قادر على تسديد 82 مليار دولار متبقّية من الودائع المنهوبة.
ثمّة قراءة أخرى لمؤشّر الاحتياطات بالعملة الأجنبية لدى صندوق النقد الدولي الذي يقيس هذه الاحتياطات بعدد أشهر الاستيراد. وبالتالي إن الزيادة السنوية في هذه الاحتياطات لا تموّل أكثر من شهر ونصف شهر بعدما ازداد الاستيراد إلى أكثر من 19 مليار دولار في السنة الماضية.
وارتفاع سعر الذهب هو أمر ناتج من عوامل خارجية بحتة تتعلق بالمخاطر الكبرى في العالم وإدارة الدول لمخاطرها المحتملة، فضلاً عن أنْ لا ثقة في أن تمدّ هذه السلطة يدها عليه لتسييله. أمّا الزيادة في بيع السيارات فهي مؤشّر خطير إلى أن الاستهلاك المستورد عاد ليهيمن على الاقتصاد، ما يعني العودة إلى نزف الدولارات نحو الخارج مقابل شراء سلع قابلة للاستهلاك.
اعتادت السلطة في لبنان استخدام الأرقام بشكل اعتباطي. وهذا ما يوجب العودة إلى السياسات التي تفرضها هذه السلطة على مواطنيها. ففي سياق انعدام الأداة الأساسية التي يمارس مصرف لبنان من خلالها سياسته النقدية، أي المصارف، قرّرت السلطة في السنوات الماضية استعمال الضرائب كأداة لتثبيت سعر الصرف «من جديد».
وفي أعوام 2023 و2024 و2025 رفعت السلطة سعر الدولار الجمركي، ما أدّى إلى زيادة في الإيرادات الجمركية وإيرادات ضريبة القيمة المضافة. أيضاً زيدت كل الرسوم لتتناسب مع واقع سعر الصرف الجديد «المُثبّت». وفق هذه المعادلة، كان سعر الليرة ثابتاً مقابل الدولار طالما أن الدولة تجبي كمية هائلة من الليرات الموضوعة قيد التداول بين الناس. وفي المقابل، لم تكن السلطة تنفق الأموال حتى لا تضخّ الليرات إلا بكميات محدودة.
فقد قرّرت إبقاء القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام تحت المستويات المقبولة للعيش، وذلك حتى لا يضطر مصرف لبنان أن يضخّ ليرات يمكن أن تتحوّل إلى طلب على الدولار في السوق وتهزّ عرش ثبات سعر الصرف. وكانت السلطة تدفع رواتب العاملين في القطاع العام بالدولار عبر مصرف لبنان وتحت سقف الهدف نفسه المتعلّق بالحدّ من ضخّ الليرات في السوق.
ولم تنفق السلطة أي قرش على البنية التحتية المتهالكة منذ عقود، أي إنها لم تطوّر البنية التحتية في الكهرباء والنقل العام (الباصات العاملة الآن أتت إلى لبنان بالتسوّل) والاتصالات والتعليم الرسمي والرعاية الصحية ومياه الشفة والري والصرف الصحي… الإنفاق الرئيسي كان يتركّز على التشغيل وصيانة الطرقات، أو بعضها فقط، من دون أي مشاريع جديدة.
حتى استحقاقات الديون بالعملة الأجنبية كانت تتراكم أصلاً وفوائد لغاية اليوم (قيمتها الإجمالية تقارب 52 مليار دولار)، أمّا الديون الأخرى مثل ثمن الفيول العراقي وأموال المتعهّدين وأموال الضمان وسواها فهي إن دُفعت، تُدفع بالتقطير.
في الخلاصة كانت الجباية مُعزّزة والنفقات مُقنّنة بسياسات تستند إليها الحكومة الحالية. لكنّ الأغرب من وضع الأرقام في غير سياقها الطبيعي، هو مسألة ترتيب الأولويات، إذ إن السلطة عند إعداد الموازنات لم تلحظ أنه قبل ست سنوات اهتزّ لبنان بانهيار مصرفي ونقدي هائل أطاح بأكثر من 180 مليار دولار من المدّخرات، وأفقد القسم الأكبر من اللبنانيين ولفترة طويلة، جزءاً كبيراً من قوّتهم الشرائية المتمثّلة برواتبهم.
فحتى عام 2024 لم تكن السلطة قد حرّكت ساكناً للتعامل مع تبعات الانهيار، ثم جاء عدوان إسرائيلي هائل على عدد كبير من السكان وسُجّلت أضرار بمليارات الدولارات.
أدّى الحدث الأول إلى هجرة الشباب والأدمغة وهي الطاقات التي يمكن التعويل عليها في أي بناء جديد. فوق كل ذلك أنفق مصرف لبنان نحو 20 مليار دولار على الدعم؛ منها 8 مليارات دولار لدعم مجموعة من المصارف بالعملات الأجنبية، و12 ملياراً لدعم المُنتجات النفطية والأدوية والطحين و3000 سلعة أخرى.
والحدث الثاني ما زالت مفاعيله قائمة بحرب منخفضة التوتّر لغاية اليوم ولا أمل في توقّفها قريباً. لا موظفو القطاع العام حصلوا على رواتب معقولة للعيش في لبنان، ولا بادرت السلطة إلى إطلاق مشروع إعادة الإعمار لا تنظيمياً ولا إجرائياً ولا تمويلياً. وبعد أكثر من سنة على نهاية عدوان الـ66 يوماً، خصّصت السلطة نحو 80 مليون دولار فقط، للإعمار واعتمدت على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لإعادة إعمار قرى الجنوب ضمن مقاربة سياسية مُبطّنة تتجاهل القرى الحدودية بشكل تام.
ترتيب أولويات السلطة استكمله رئيس الجمهورية بتقديم أرقام تشير إلى نموّ مبني على تحقيق فائض أوّلي في الخزينة بقيمة مليار دولار. يثير ذلك تساؤلاً: هل تقاعست السلطة عن المبادرة إلى إدارة مواردها وترتيب أولوياتها؟ فلماذا تذرّعت السلطة بعدم قدرتها على الجباية حتى لا تعطي موظفي القطاع العام بعضاً من حقوقهم المادية بدلاً من تركهم عرضة للرشى؟
لماذا لم تخصّص السلطة بعضاً من المليار دولار للإعمار؟ ثمة أجوبة مُعلّبة قُدّمت في مجلس الوزراء وفي جلسات رسمية وغير رسمية مفادها أن إنفاقاً كهذا يتطلّب مراعاة هشاشة سياسة تثبيت سعر الصرف، وبالتالي الامتناع عن ضخّ ليرات إضافية في السوق حتى لا ترتفع مخاطر انهيار سعر الصرف. لكنّ الواقع أن قصر نظر السلطة لا يتعلق بمؤهّلاتها فحسب، بل مرتبط برغباتها أيضاً.
فها هي تقول إن لديها أموالاً بالعملة الأجنبية متراكمة في الحسابات، وهي تزعم أنها عالجت مشكلة المودعين من خلال قانون الانتظام المالي، وأن لديها في المقابل ديناً للعراق بقيمة 1.2 مليار دولار وهو على استعداد لتخصيصه لإعادة الإعمار. وبالتالي أصبح مقابل ضخّ الليرات دولارات كافية لدى مصرف لبنان. فهل ستمارس السلطة ترتيب الأولويات وفق أجندة مالية اجتماعية تغطّي الإعمار والموظفين أم أن لديها أجندة أخرى؟ هل تسعى الدولة لزيادة أعباء التمويل – الوفر أو الفائض على الأقل استفادة من نفقاتها؟



