في لحظة سياسية ومالية دقيقة، فتحت الحكومة اللبنانية نقاشاً مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض طارئ بقيمة مليار دولار، تحت عنوان تمويل تداعيات الحرب. ظاهرياً، يبدو هذا المسار منسجماً مع منطق إدارة الأزمات، حيث تلجأ الدول إلى التمويل الخارجي لتعويض الصدمات. إلا أنّ التدقيق في بنية ميزانية الدولة لدى مصرف لبنان يكشف مفارقة أساسية، وهي أن الدولة نفسها تحتفظ بودائع كبيرة يمكن استخدامها جزئياً، بدلاً من العودة إلى الاستدانة بشروط سياسية ومالية مُعقّدة.
تشير بيانات مصرف لبنان إلى أنّ ودائع القطاع العام تقارب 9 مليارات دولار. صحيح أنّ جزءاً من هذه الودائع هو «لولار» متراكم قبل الأزمة، أي مقوّم على أسعار صرف قديمة، ما يحدّ من قابليته الفعلية للاستخدام. إلا أنّ التحوّل الذي طرأ في شباط 2024، مع تعديل سعر الصرف الرسمي في ميزانية المصرف المركزي إلى نحو 89,500 ليرة، غيّر طبيعة قراءة هذه الأرقام. فمنذ ذلك التاريخ، أي زيادة في هذه الودائع يمكن تسجيلها فعلياً بالدولار الحقيقي، وليس بدولارات دفترية.
وبالاستناد إلى هذا التعديل، يمكن احتساب الفارق بين مستوى الودائع في منتصف شباط 2024 ومستواها في نهاية آذار 2026 بنحو 4.89 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 438.5 تريليون ليرة. هذه الزيادة تمثّل تراكم سيولة حديثة نسبياً، يُفترض نظرياً أنّها قابلة للاستخدام، أو على الأقل لتمويل جزء من الحاجات الطارئة، من دون اللجوء مباشرة إلى الاقتراض الخارجي.
وبدلاً من بناء مقاربة مالية تقوم على استخدام الموارد المُتاحة داخلياً، ولو بشكل جزئي ومدروس، يبدو أنّ الخيار الحكومي يتّجه نحو إعادة تفعيل نموذج الاستدانة، حتى في ظل وجود سيولة كامنة داخل النظام نفسه. هذا الخيار يعكس توجهاً سياسياً لإعادة ربط المالية العامة بمسارات التمويل الخارجي، وما يستتبع ذلك من شروط وإصلاحات غالباً ما تكون منفصلة عن أولويات الاقتصاد الفعلي.
والأخطر من ذلك أنّ هذا المسار يعيد إنتاج منطق إدارة الأزمة عوضاً عن العمل على الخروج منها. فبدلاً من تفكيك التشوّهات في ميزانية الدولة ومصرف لبنان، وإعادة توزيع السيولة بشكل يعكس أولويات الإنفاق في زمن الحرب، يجري الالتفاف على هذه الحلول، بسبب عدم قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات حقيقية، عبر استقدام تمويل جديد من الخارج على شكل قروض. عملياً، هذا يعني تأجيل معالجة الاختلالات البنيوية، مقابل تحميل الاقتصاد وميزانية الدولة كلفة إضافية، قد تُستخدم لسدّ فجوات آنية من دون معالجة أسبابها.
في المحصّلة، يكمن السؤال في ما إذا كانت الدولة بحاجة إلى تمويل في ظل الحرب، لكنه قبل ذلك يكمن في كيفية إدارة الموارد المتاحة. فوجود نحو 4.89 مليارات دولار متراكمة حديثاً في حسابات الدولة لدى مصرف لبنان يطرح سؤالاً مهماً: لماذا الاقتراض قبل استخدام ما هو موجود؟ والأهم، ما هي المعايير التي تحدّد ما يمكن استخدامه وما يجب إبقاؤه مجمّداً، في اقتصاد يعاني أصلاً من شحّ في السيولة بالدولار؟
قد يشكّل استخدام هذه الأموال تحدّياً لمصرف لبنان. لأنه لا يستطيع أن يدخل 9 تريليونات ليرة (مليار دولار) إلى السوق، من دون التأثير على سعر الصرف. إلا أنه يستطيع أن يحوّل هذه التريليونات التسعة إلى دولار، من خلال احتياطاته، بحجّة الحاجة الطارئة خلال الحرب من دون أن تتكلّف خزينة الدولة كلفة إضافية لخدمة الدين.
لبنان يفاوض صندوق النقد على تمويل طارئ بمليار دولار وسط ضغوط الحرب
تُجري الحكومة اللبنانية محادثات مع صندوق النقد الدولي للحصول على تمويل سريع قد يصل إلى مليار دولار، في خطوة تعكس تصاعد الحاجة إلى السيولة في ظل تداعيات الحرب في المنطقة. ووفق ما نقلته وكالة «رويترز» عن تقرير لـ«بلومبرغ»، فإن النقاشات تدور حول آلية تمويل عاجلة تتيح للبنان الحصول على ما بين 800 مليون ومليار دولار، على أن تُستخدم هذه الأموال لدعم الموازنة وتمويل الاستجابة الإنسانية.
وبحسب المصادر، فإن هذه المباحثات لا تزال في إطار النقاش، فيما أكّد متحدّث باسم صندوق النقد أن المؤسسة «منخرطة بشكل وثيق» مع السلطات اللبنانية، سواء على صعيد إدارة الأزمة الاقتصادية أو في ما يتعلّق بإمكانية التوصل إلى برنامج إصلاحي أوسع مدعوم من الصندوق.
تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الضغوط التي تواجهها اقتصادات المنطقة نتيجة الحرب، حيث يشهد العالم موجة طلب متزايدة على التمويل الطارئ، مع تحذيرات من ارتفاع كلفة الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، ما يدفع عدداً متزايداً من الدول إلى اللجوء إلى المؤسسات الدولية.
بالنسبة إلى لبنان، تعكس هذه الخطوة عودة واضحة إلى مسار التفاوض مع صندوق النقد، بعد تعثّر الاتفاق السابق منذ عام 2022 نتيجة عدم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. كما تندرج ضمن محاولة تأمين تمويل سريع لتغطية الحاجات الآنية، في وقت لا تزال فيه الأزمة المالية قائمة، والقطاع المصرفي من دون إعادة هيكلة شاملة.
لكنّ هذا المسار يفتح أيضاً أسئلة حول طبيعة التمويل المُرتقب، وشروطه المحتملة، ومدى ارتباطه ببرنامج إصلاحي أوسع، خصوصاً في ظل سجلّ سابق من التعثّر في تنفيذ الالتزامات. وفي ظل الحرب، يبدو أنّ الحكومة تسعى إلى استخدام هذا التمويل كأداة لتخفيف الضغط الفوري، ولو على حساب العودة إلى منطق الاستدانة الخارجية.



