الرئيسية اقتصاد لبنان لبنان على لائحة «بؤر الجوع»… مجدّداً

لبنان على لائحة «بؤر الجوع»… مجدّداً

عاد لبنان إلى لائحة «بؤر الجوع» العالمية، مجدّداً، بعدما أُدرج من منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، من بين 13 دولة ومنطقة يُتوقّع أن تشهد تدهوراً ملحوظاً في الأمن الغذائي الحادّ بين حزيران وتشرين الثاني 2026. هذا التصنيف لا يعني حصول مجاعة في لبنان، بل هو إنذار مبكر من الزيادة في عدد الأسر التي لم تعد قادرة على تأمين غذائها بصورة طبيعية ومستقرة، تحت ضغط الحرب والنزوح وارتفاع الأسعار وخسارة مصادر الدخل. أهمية التقرير أنه يوثّق التدهور المستمر، والواضح للعيان، في الوضع الاقتصادي والمعيشي بعدما أدّت الحرب إلى تصفير القدرات المعيشية للكثير من الأسر التي خسرت ممتلكاتها ومدّخراتها ومصادر دخلها.

يغطي التقرير الفترة الممتدة من حزيران 2026 إلى تشرين الثاني منه، وهو يمثّل النسخة الثانية من هذه السلسلة التي سبق أن غطّت الفترة بين تشرين الثاني 2024 وأيار 2025. ويقول التقرير إن الهدف يتعلق بمعاينة تداعيات ما أسماه التصعيد العسكري وأضراره على النقل والبنية التحتية وارتفاع أسعار الوقود والغذاء، فضلاً عن موجة النزوح الواسعة. ويضع التقرير، لبنان، ضمن الفئة الثالثة والأقل خطورة من تصنيف «بؤر الجوع»، إلى جانب مالي وميانمار ومدغشقر، وليس ضمن الدول التي تواجه مجاعة أو خطراً وشيكاً بوقوعها.

فالفئة الأعلى تشمل البلدان التي تسجّل أوضاعاً كارثية أو احتمالاً للمجاعة، فيما يندرج لبنان ضمن البلدان التي يُتوقّع أن يرتفع فيها عدد الأشخاص الواقعين في مرحلة «الأزمة» الغذائية أو ما فوقها، بالتوازي مع استمرار العوامل التي تدفع إلى التدهور. أي إن التصنيف لا يعلن مجاعة، لكنه يحذّر من توسّع العجز عن تأمين الطعام.

ويتوقّع التقرير أن يواجه نحو 1.2 مليون شخص في لبنان مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحادّ بين نيسان وآب 2026، أي 24% من السكان الذين شملهم التحليل. وينقسم هؤلاء إلى نحو 1.1 مليون شخص في المرحلة الثالثة، أي «مرحلة الأزمة»، حيث تعجز الأسر عن تأمين الحد الأدنى من الغذاء إلّا عبر تقليص الوجبات أو الاستدانة أو بيع ممتلكاتها والاستغناء عن حاجات أساسية أخرى؛ ونحو 100 ألف شخص في المرحلة الرابعة، أي «مرحلة الطوارئ»، حيث تصبح الفجوات الغذائية أكبر وتضطر الأسر إلى استنزاف مصادر رزقها وأصولها الأساسية، ما يستدعي تدخّلاً عاجلاً لحماية الحياة وسبل العيش. ولا يسجّل الرسم وجود أشخاص في لبنان ضمن المرحلة الخامسة، أي «الكارثة أو المجاعة». ويأتي لبنان في أدنى مرتبة بين بؤر الجوع الـ13 من حيث العدد المُطلق للأشخاص المتضررين، إلا أنه ليس الأدنى من حيث النسبة إلى السكان، إذ تبلغ النسبة فيه 24%.

ويحدّد التقرير الحرب والصدمات الاقتصادية عاملين أساسيين وراء تفاقم الأزمة. فالعمليات العسكرية لم تقتصر نتائجها على تدمير المنازل، بل أصابت دورة الاقتصاد المحلي نفسها، ولا سيما في الجنوب والنبطية. فقد أدّت إلى تعطيل ممرات النقل، تضرّر بنى تحتية حيوية، تقييد حركة السكان والبضائع، تأخير وصول المساعدات، بالتوازي مع إقفال مؤسسات ومحالّ، وتعذّر وصول مزارعين إلى أراضيهم، وخسارة عمال لمصادر دخلهم. ويشرح التقرير أنّ التصعيد في لبنان يضرب سبل العيش ويعطّل الأسواق المحلية، خصوصاً في المناطق المتأثّرة مباشرة بالحرب. فالأسرة التي تنزح لا تخسر منزلها فقط، بل قد تخسر عملها أو متجرها أو أرضها أو قدرتها على الوصول إلى الزبائن. ومع انتقالها إلى منطقة أخرى، ترتفع عليها كلفة السكن والنقل والغذاء، في وقت تكون فيه قد فقدت جزءاً من دخلها أو كله. وهكذا يتحوّل النزوح من أزمة سكن إلى أزمة دخل وغذاء.

ولا تكمن المشكلة الأساسية في اختفاء المواد الغذائية من الأسواق. فالتقرير يشير إلى استمرار دخول الغذاء عبر المرافئ، لكنّ بقاء الاستيراد قائماً لم يمنع تدهور الأمن الغذائي. ذلك أن توافر السلعة لا يعني أن الناس قادرون على شرائها. فالارتفاع المستمر في كلفة الوقود والنقل والشحن ينتقل إلى أسعار المواد الغذائية، بينما تتراجع الأجور والمداخيل أو تنقطع بالكامل عن الأسر المتضرّرة. بهذا المعنى، تبدو أزمة الجوع في لبنان أزمة قدرة شرائية بالدرجة الأولى. قد يبقى الطعام موجوداً في المستودعات والمتاجر، لكنّ جزءاً متزايداً من السكان يضطر إلى خفض عدد الوجبات، أو استبدال الأغذية الأعلى قيمة غذائية بأخرى أرخص، أو الاستدانة، أو التخلّي عن مصاريف الصحة والتعليم من أجل تأمين الطعام. فالمشكلة ليست في الرفوف الفارغة، بل في الجيوب الفارغة.

ويضع التقرير لبنان بين دول المنطقة الأكثر عرضة لارتفاع أسعار الغذاء، بسبب محدودية الإنتاج المحلي واعتماده الكبير على الاستيراد واستمرار أزمته الاقتصادية. كما أن تداعيات الحرب الإقليمية على أسعار الطاقة والشحن والأسمدة تهدّد برفع فاتورة الغذاء أكثر، فيما يؤدي اضطراب النقل وارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة التضخم الغذائي، ولا سيما على النازحين واللاجئين والأسر الأشد هشاشة.

مصدرجريدة الأخبار - زينب بزي
المادة السابقةوزارة الذكاء الاصطناعي… غباء إداري وصلاحيات بلا حدود
المقالة القادمةلماذا لم تنخفض أسعار المحروقات في لبنان مع انخفاض أسعار النفط العالميّة؟؟