لا تعني إعادة فتح السوق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، انقلاباً في ميزان التجارة الخارجية للبنان، بل تعيد طرح سؤال أعمق حول شكل العلاقة التجارية مع السعودية. فمن بعد حظر الصادرات اللبنانية، ازداد العجز التجاري اللبناني مع السعودية وسط ارتفاع لافت في الاستيراد منها.
طبعاً لم يجرؤ أيّ طرف في السلطة على اتخاذ موقف مماثل والتضييق على السلع السعودية الواردة إلى لبنان، كما تفعل كل الدول، بل وافق الجميع على خسارة سوق كانت تستوعب أكثر من 240 مليون دولار من البضائع اللبنانية التي بحثت عن أسواق أخرى لتصريف المُنتجات، وهذا ينطوي على أهمية كبيرة، سواء في جدوى هذه العلاقة ما دامت هناك أسواق تصريف أخرى وما دامت العلاقات التجارية بين البلدين ستبقى تسجّل فائضاً لمصلحة السعودية على حساب لبنان.
بمعنى أوضح، هل سيبقى لبنان في مسار «التطبيل» الأعمى للمكرمات السعودية ومساعداتها التي لا «تنضب»، أم سيبدأ البحث في إعادة ترتيب للعلاقات التجارية وفق المصالح الوطنية؟
هل ستكون نتيجة الخطوة السعودية الأخيرة، تحويل الإنتاج اللبناني الموجود، من أسواق أخرى، إلى السوق السعودية، أم أنها ستكون مُحفِّزاً لزيادة الإنتاج اللبناني نفسه؟ في الحالة الأولى، يكون الأثر على مجموع الصادرات محدوداً، لأن ما سيربحه لبنان في السوق السعودية قد يخسره جزئياً في أسواق أخرى.
أمّا في الحالة الثانية، أي إذا افترضنا أن كل ما سيُصدَّر إلى السعودية سيكون إنتاجاً إضافياً بالكامل، فإن السقف المرجعي لهذا الأثر يبقى ما كانت تستوعبه السوق السعودية قبل الحظر. ففي عام 2019، بلغت الصادرات اللبنانية إلى السعودية نحو 246 مليون دولار. أي إن أفضل سيناريو واقعي، قياساً بحجم السوق قبل توقّف التصدير، هو إضافة تقارب ربع مليار دولار إلى الصادرات اللبنانية.
لكنّ هذا الرقم، على أهميته بالنسبة إلى المنتجين والمزارعين والمصنّعين، لا يغيّر صورة العجز التجاري اللبناني. فالعجز التجاري الكلّي بلغ نحو 17.44 مليار دولار في عام 2025، ما يعني أن عودة الصادرات إلى السعودية، حتى في أكثر السيناريوات تفاؤلاً، لا تمثّل أكثر من نحو 1.4% من هذا العجز.

لذلك، لا يمكن التعامل مع القرار السعودي، بشكل مجرّد، كحلّ لمشكلة التجارة الخارجية. لكنه قد يكون، في المقابل، فرصة لصانعي القرار في لبنان لاستغلال القرار السعودي أبعد من كونه مجرّد عودة تقنية للتصدير. فإعادة فتح السوق يمكن أن تتحوّل إلى مدخل لترتيبات تجارية أوسع، سواء عبر تسهيل شهادات المطابقة، أو دعم سلاسل التبريد والنقل، أو مساعدة المنتجين اللبنانيين على الالتزام بالمواصفات السعودية، أو فتح قنوات مباشرة بين المصدّرين اللبنانيين والمستوردين في المملكة. عندها لا يبقى الهدف استعادة الرقم الذي كان قائماً قبل الحظر فقط، بل توسيع القاعدة الإنتاجية نفسها، وتحفيز قطاعات قادرة على التصدير إلى زيادة إنتاجها بدل الاكتفاء بإعادة توجيه إنتاج موجود من سوق إلى أخرى.
بهذا المعنى، تصبح أهمية القرار السعودي مرتبطة بكيفية تعامل الدولة اللبنانية معه. فإذا تُرك الأمر للسوق وحدها، قد تنحصر النتيجة في عودة جزئية لصادرات كانت قائمة سابقاً. أمّا إذا جرى التعامل معه كفرصة اقتصادية منظّمة، فقد يسمح بإعادة بناء جزء من القدرة التصديرية اللبنانية، خصوصاً في الصناعات الغذائية والزراعية والمنتجات التي أثبتت سابقاً قدرة على دخول السوق السعودية. غير أن ذلك يحتاج إلى سياسة واضحة، تبدأ من دعم المنتجين، تحسين الرقابة على الجودة، تسهيل التصدير، وربط فتح الأسواق الخارجية بخطة لزيادة الإنتاج، لا بمجرد نقل البضائع من وجهة إلى أخرى.
من ناحية التصدير، المقارنة مع عام 2025 تُظهِر حجم الضرر الذي لحق بهذا المسار. فالصادرات اللبنانية إلى السعودية تكاد تكون قد اختفت، إذ لم تتجاوز 313 ألف دولار في الملف الجمركي، بعدما كانت تقارب ربع مليار دولار قبل الأزمة. من هنا، يمكن القول إن السقف النظري للمكسب المباشر من إعادة فتح السوق، إذا عاد مستوى التصدير إلى ما كان عليه في عام 2019، يدور حول 245 إلى 246 مليون دولار.
حينها توزّعت الصادرات على سلّة واسعة من السلع، منها الصناعات الغذائية والمشروبات بنحو 61 مليون دولار، والأدوية ومستحضرات تجميل ومنظّفات ومواد كيميائية بنحو 36.4 مليون دولار، أثاث ومُنتجات منزلية ومعدنية بنحو 36 مليون دولار، لدائن وورق ومطبوعات وتغليف بنحو 34 مليون دولار، إضافة إلى زراعات طازجة وزيت زيتون بنحو 29.6 مليون دولار. أي إن السوق السعودية كانت تستوعب مزيجاً من الإنتاج الزراعي والغذائي والصناعي.
من ناحية أخرى يبقى هذا القرار محدود التأثير أمام بنية العجز التجاري مع السعودية نفسها. ففي مقابل انهيار الصادرات إلى السعودية، ارتفعت واردات لبنان منها من نحو 344 مليون دولار في عام 2019 إلى نحو 1.14 مليار دولار في عام 2025. وهذا التحوّل لم يحصل بفعل زيادة عادية في كل السلع، بل بفعل تضخّم بند المحروقات والمشتقات النفطية تحديداً، الذي قفز من نحو 26.5 مليون دولار في عام 2019 إلى 873.6 مليون دولار في عام 2025، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أرباع الواردات اللبنانية من السعودية في ذلك العام. وإلى جانب المحروقات، برزت زيادات في استيراد البلاط والسيراميك، المياه والمشروبات، المعكرونة، الألبان، المنظّفات، وبعض مُنتجات الألومنيوم ومواد البناء.
بهذا المعنى، لا تكفي عودة الصادرات إلى السوق السعودية للقول إن العلاقة التجارية عادت إلى التوازن. عملياً، العجز في التجارة اللبنانية مع السعودية ارتفع من أقل من 100 مليون دولار في عام 2019 إلى أكثر من 1.14 مليار دولار في عام 2025، أي زاد بنحو 1.04 مليار دولار. فالمسألة لا تتعلّق فقط بفتح منفذ أمام المنتجين اللبنانيين، بل هي فكرة تتعلّق بدراسة العلاقة التجارية، حيث يُفترض النظر في تركيبة التبادل نفسها. ماذا يصدر لبنان إلى السعودية؟
ماذا يستورد منها؟ وأي قطاعات محلية تتأثّر من السلع المستوردة؟ أمّا النقاش الأوسع فيجب أن يذهب نحو سياسة تجارية أوضح مع الدول التي يسجّل لبنان معها عجزاً كبيراً، وفي مقدّمها السعودية، بما يسمح بدعم القطاعات القادرة على التصدير من جهة، وحماية السلع المحلية القابلة للمنافسة من جهة أخرى.



