صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا لهجته بشأن جزيرة غرينلاند، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستسيطر عليها «بطريقة أو بأخرى»، ومبرّرًا ذلك بمخاوف من تمدد النفوذ الروسي والصيني في الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي الحساس.
ومع تصاعد هذه التصريحات، توجّه وزيرا خارجية الدنمارك وغرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن السيادة الدنماركية، إلى واشنطن يوم الأربعاء، حيث التقيا نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزير الخارجية مارك روبيو، في محاولة لاحتواء التوتر المتزايد.
ولم يأت اهتمام ترامب المتجدد بغرينلاند من فراغ، إذ تجمع الجزيرة بين موقع جغرافي بالغ الأهمية في القطب الشمالي، وثروات طبيعية هائلة ما زال معظمها غير مستغل. ووفق مسح أُجري عام 2023، تمتلك غرينلاند 25 من أصل 34 معدنًا من المعادن الأرضية النادرة، بحسب تصنيف المفوضية الأوروبية.
ثروة نفطية مجمّدة
بحسب موقع «بوليتيكو»، تشير تقديرات أميركية تعود إلى عام 2007 إلى وجود ما يعادل أكثر من 30 مليار برميل من النفط والغاز الطبيعي تحت سطح غرينلاند ومياهها، وهي كميات تقارب احتياطيات الولايات المتحدة. ورغم ذلك، توقفت عمليات التنقيب التي استمرت نحو 30 عامًا، والتي شاركت فيها شركات كبرى مثل «شيفرون» الأميركية و«إيني» الإيطالية.
وفي عام 2021، حظرت حكومة غرينلاند اليسارية آنذاك عمليات التنقيب عن النفط والغاز لأسباب بيئية، في قرار لا يزال يقيّد استغلال هذه الموارد.
التعدين بين السياسة والبيئة
في موازاة ذلك، واجه تطوير قطاع التعدين في الجزيرة عراقيل كبيرة، أبرزها معارضة السكان الأصليين، إضافة إلى تعقيدات بيروقراطية فرضتها السلطات المحلية، وفق وكالة رويترز.
ويرى موقع «بوليتيكو» أن عدم اهتمام الدنمارك أو غرينلاند أو حتى الاتحاد الأوروبي بتطوير المعادن الأرضية النادرة في الجزيرة شكّل «خطأً استراتيجيًا»، لا سيما في ظل التنافس الحاد بين الولايات المتحدة والصين على هذه الموارد الحيوية.
كنز المعادن الأرضية النادرة
وتشير بيانات هيئة الموارد المعدنية في غرينلاند، نقلًا عن رويترز، إلى أن ثلاثة من أكبر مواقع المعادن الأرضية النادرة تقع في مقاطعة «غاردار» جنوب الجزيرة. وتُعد هذه العناصر أساسية في صناعة المغناطيس المستخدم في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح.
وتسعى شركات عدة إلى تطوير هذه الموارد، من بينها شركة «كريتيكال ميتالز» الأميركية، وشركة «إنرجي ترانزيشن مينيرالز» الأسترالية، التي تعثّر مشروعها «كوانرسويت» بسبب نزاعات قانونية.
معادن استراتيجية أخرى
الغرافيت: يوجد في عدة مواقع، وتعمل شركة «غرين روك» البريطانية على تطوير مشروع «أميتسوك»، ويُستخدم الغرافيت في بطاريات السيارات الكهربائية وصناعة الصلب.
النحاس: لم يُستكشف على نطاق واسع، مع وجود مناطق واعدة في شمال ووسط شرق الجزيرة.
النيكل: توجد مؤشرات قوية على توافره، وتحمل شركة «أنغلو أميركان» البريطانية رخصة تنقيب منذ عام 2019.
الزنك: يتركز في الشمال ضمن تكوين جيولوجي يمتد أكثر من 2500 كيلومتر، ويُعد مشروع «سيترونين فيورد» من أكبر موارد الزنك غير المستغلة عالميًا.
الذهب: تتركز المناطق الواعدة جنوب الجزيرة، حيث بدأت شركة «أماروق» الكندية العمل في منجم «نالوناك» عام 2024.
الماس: يوجد أساسًا في غرب الجزيرة، مع احتمالات لوجوده في مناطق أخرى.
التيتانيوم والفاناديوم: متوافران في الجنوب الغربي والشرق، ويُستخدمان في الصناعات الطبية والعسكرية وإنتاج سبائك الصلب.
التنغستن: يوجد في وسط وشمال شرق الجزيرة، ويُستخدم في تطبيقات صناعية متعددة.
اليورانيوم: حُظر تعدينه عام 2021، ما أدى إلى تعطيل مشروع «كوانرسويت» الذي يُعد اليورانيوم أحد منتجاته الثانوية.
ورغم هذا الغنى المعدني، لا يزال سكان غرينلاند يعتمدون إلى حدّ كبير على أنشطة تقليدية مثل صيد الأسماك، في ظل تعثّر مشاريع التعدين الكبرى، ما يعكس التوتر القائم بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة والسيادة السياسية.



