إن الإعتقاد السائد بأن لبنان لا يكتسب أهميته إلا إذا أعاد بناء مصفاة نفط هو اعتقاد مغلوط. فالفرصة الآنية تكمن في المرحلة الأولى: عمليات العبور وتشغيل المحطات.
ترى كل من لمياء مبيّض البساط* وديانا القيسي* في مقال مشترك، أنه على مدى عقود، كان ذكر خط أنابيب كركوك–طرابلس يستحضر صور حقبة مضت من التكامل المشرقي من أيام شركة نفط العراق (IPC)في خمسينيات القرن الماضي. غير أن هذا الحنين، في آذار 2026، استُبدل بحسابات جيوسياسية صارمة.
ومع دخول الصراع في الخليج مرحلة حرجة، شهد مضيق هرمز—الذي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا—تعطّلًا شبه كامل. بالنسبة للعراق، كانت التداعيات وجودية. فمع شلل مرافئه الجنوبية، يسعى العراق بشكل إلى “متنفس طارئ” لصادراته النفطية. وفي حين تسير المفاوضات الشاقة لتسريع المسارات عبر تركيا، يظل الحل الأكثر مرونة من جهة الغرب: ممر العبور القائم على إعادة تأهيل البنية التحتية الجاهزة (Brownfield) التي تنتهي عند منشآت نفط طرابلس في شمال لبنان Tripoli Oil Installations (TOI)
قبضة هرمز وانكشاف العراق
دفع الحصار البحري في الخليج المُصدِّرين الإقليميين على الإعتماد بشكل أكبر على خط أنابيب “شرق-غرب” السعودية (أحد الأصول الاستراتيجية الرئيسية التي تمتلكها وتديرها شركة أرامكو السعودية) وطريق الفجيرة الإماراتي. غير أنَّ وضع العراق استثنائي الهشاشة؛ إذ كانت صادراته البحرية في العام 2024 ما يقارب 100% تمر عبر الجنوب. ومع مطلع مارس 2026، أفضى فقدان الوصول إلى هرمز إلى تراجع الإنتاج الجنوبي بنسبة مُقدَّرة بـ 82%، لتهوي الطاقة الإنتاجية من 4.4 مليون برميل يومياً إلى 800000 برميل فقط.
نجحت بغداد جزئياً في استئناف صادراتها النفطية الشمالية عبر تركيا من خلال مسار كركوك-جيهان، إلا أن هذا الممر يظل هشاً سياسياً، محدود السعة ومعرضًا للتوترات بين الحكومة الاتحادية وأربيل. في هذا السياق الضاغط، لم يعد المنفذ المتوسطي عبر طرابلس مجرد خيار بديل، بل ضرورة استراتيجية.
ميزة “البنية القائمة” في لبنان
الاعتقاد السائد بأن لبنان لا يكتسب أهميته إلا بإعادة بناء مصفاة نفط هو اعتقاد مغلوط. الفرصة الفورية تكمن في المرحلة الأولى: العبور وتشغيل المحطات.
”يمتلك لبنان أصلاً من الأصول القائمة على بنية جاهزة (Brownfield): منشآت نفط طرابلس (TOI)، وهي مرفق يحتاج إلى إعادة تأهيل فحسب، لا إلى معجزة تُبنى من الصفر”
وبحسب المديرية العامة للنفط في لبنان، صُمِّمت منشآت طرابلس في الأصل لاستقبال نفط كركوك عبر ثلاثة خطوط تقليدية (12″ و16″ و30/32″) بطاقة استيعابية تاريخية بلغت 900,000 برميل يومياً. ورغم أن المصفاة القديمة (21 ألف برميل يوميًا) لم تعد مجدية اقتصاديًا، فإن البنية التحتية للمحطة لا تزال تمثل كنزًا من القدرة الكامنة.
جدول المؤشرات الرئيسية

مسار إعادة التشغيل
”إن المسار الأكثر واقعية للمضي قدماً يتجاوز تعقيدات عمليات التكرير، ويركز بدلاً من ذلك على نموذج المحطة التصديرية (Export-Terminal Model).
تتبع السلسلة مساراً واضحاً ومباشراً: من كركوك إلى سوريا، عبر ممر عكار الحدودي (حكر جوريت سرار)، وصولاً إلى حرم خط أنابيب نفط العراق (IPC) القديم نحو خزانات البداوي/منشآت نفط طرابلس، وانتهاءً بمحطات الشحن في عرض البحر الأبيض المتوسط.
ومع ذلك، فإن ‘البساطة’ لا تعني بالضرورة ‘السهولة’؛ إذ يتطلب استئناف العمل برنامجاً صارماً لضمان السلامة الإنشائية (Integrity Program) ثلاثية الأطراف هي العراق وسوريا ولبنان. وفي هذا السياق، يقترح الخبراء خارطة طريق تقنية سداسية النقاط:
-
مسح المسار: (Route Survey): إزالة التعديات المتراكمة على مدى عقود
-
اختبارات الضغط (Pressure Testing): الكشف عن الأجزاء التالفة من الأنابيب واستبدالها.
-
الضخ والقياس (Pumping & Metering): إعادة هيكلة شاملة لأنظمة التحكم ونقاط القياس الجمركي.
-
تأهيل مجمع الخزانات (Tank Farm Restoration): تحديث منشأة التخزين في البداوي التي تبلغ سعتها 430,000 متر مكعب.
-
البيئة والأمن(Environmental & Security):تركيب أنظمة كشف التسرب وإرساء منظومة أمنية مخصصة لحماية الخط.
-
الأنظمة البحرية(Marine Systems): ترميم عوامات الربط التقليدية (CBM) المخصصة للشحن في عرض البحر.
توافق دبلوماسي جديد
ما يميز عام 2026 عن عام 2020 هو تغير المشهد القانوني؛ فقد رُفعت أو أُلغيت العقوبات الاقتصادية الواسعة التي كانت تجعل من ممر العبور السوري خياراً “مستحيلاً” في السابق، وذلك في أعقاب المرحلة الانتقالية التي شهدتها دمشق في عام 2025. وبالرغم من بقاء بعض القيود الأمنية المحددة، إلا أن “جدار العقوبات” قد تداعى فعلياً.
علاوة على ذلك، نضجت العلاقة بين بغداد وبيروت؛ فاتفاقية الطاقة بين الدولتين، التي قدم بموجبها العراق الوقود لمحطات الكهرباء اللبنانية حتى عام 2025، أرست إطاراً للتعاون المشترك. وفي حين أطلق العراق وسوريا بالفعل تقييماً مشتركاً للمسارات المتوسطية، تبقى القطعة الناقصة هي إقرار “إطار عبور ثلاثي” (Tripartite Transit Framework) يضم لبنان رسمياً.
العائد التجاري: 275 مليون دولار سنوياً؟
رغم عدم وجود تسعيرة رسمية للرسوم حتى الآن، إلا أن المنطق التاريخي وتكاليف إعادة التأهيل الحديثة تشير إلى أن “حزمة” الرسوم —التي تشمل العبور، والمناولة، والشحن— قد تتراوح بين 0.75 و1.50 دولار للبرميل الواحد.
وفقاً لسيناريو تدفق متوسط يتراوح بين 300000 و500000 برميل يومياً، يمكن للبنان أن يحقق إيرادات سنوية إجمالية تتراوح بين 80 مليوناً و275 مليون دولار. وبعيداً عن العوائد النقدية، يعيد هذا المشروع للبنان ثقله الاستراتيجي، ويضعه كشريك محوري في أمن الطاقة لكل من العراق وأوروبا التي تتوق لمصادر طاقة بعيدة عن منطقة الخليج.
التوصية: مبادرة الـ 90 يوماً
”في عالم ما بعد أزمة هرمز، يبرز خط كركوك-طرابلس كأكثر الجسور منطقية نحو مستقبل طاقة أكثر أماناً. ومن خلال توفير “صمام ضغط” للخام العراقي، سيقدم لبنان خدمة إقليمية حيوية، ويحجز لنفسه مكاناً بارزاً على أجندة أمن الطاقة العالمي.
إن لبنان لا يملك ترف الانتظار، لذا يتعين على الحكومة طرح مبادرة ثلاثية فورية لمدة 90 يوماً مع العراق وسوريا، بهدف محدد وجوهري: إعادة تشغيل المرحلة الأولى من التصدير.
منطق “المسار الالتفافي”: لكي تنجح هذه المبادرة في غضون 90 يوماً، يجب على الأطراف الاتفاق على إرجاء النقاش حول مصفاة التكرير. فإذا غرق الشركاء في جدلية “من يحصل على البنزين المكرر”، سيتعثر المشروع. يجب أن ينصب التركيز حصراً على عبور النفط الخام نحو البحر الأبيض المتوسط.”
*لمياء مبيّض بساط: رئيسة معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي وخبيرة رائدة في مجالات الإصلاح المالي وتحديث الإدارة العامة
*ديانا القيسي: باحثة متخصّصة في السياسات الاقتصادية والاستراتيجية
*تندرج هذه الدراسة ضمن أعمال معهد باسل فليحان المالي، الذي يشكّل مرجعًا في إعداد الدراسات المالية والاقتصادية ودعم صنع السياسات العامة وتعزيز كفاءة القطاع العام في لبنان.



