لهذه الأسباب لبنان تحت خط الفقر المائي

يمتلك لبنان تقليدياً موارد مائية أفضل من كثير من دول المنطقة بفضل مناخه الشتوي ومناطقه الجبلية. ويقدّر إجمالي الموارد المائية المتجددة داخلياً (من أمطار وأنهار ومياه جوفية متجددة) بنحو4.5  مليار م³ سنوياً حسب إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة. وهذا الرقم يشمل مياه الأمطار التي تُغذِّي نحو 40 نهراً (16 منها دائمة الجريان) والمياه الجوفية عبر التكوينات الكارستية في جبال لبنان. 

إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الموارد لا يُستغل فعلياً بسبب التباين الموسمي وقلة القدرة التخزينية، إذ إنّ أكثر من 50 بالمئة من الجريان السطحي السنوي ينتهي مباشرة في البحر من دون تخزين أو استعمال. وهذا يعني أن كميات كبيرة من الموارد المائية تضيع قبل أن تصل للمستهلك النهائي أو المزارع، مما يقلّص فعلياً المياه المتاحة للاستعمال. 

وبناءً على معايير الأمم المتحدة، يُصنَّف لبنان حالياً ضمن الدول ذات الإجهاد المائي المرتفع (حيث تزيد نسبة سحب المياه إلى الموارد المتجددة عن 40 بالمئة). وتشير بيانات عام 2020 إلى أن لبنان يستخدم نحو 58–60 بالمئة من موارده المتجددة المتاحة سنوياً، وهي نسبة تضعه في حالة إجهاد مائي حاد وقابلة للارتفاع مستقبلًا مع ثبات الموارد وازدياد الطلب. وهذا النقص ينعكس على ما يُعرَف بـ”البصمة المائية”.

 البصمة المائية

بفعل أهمية المياه في القطاع الزراعي، تلحظ الدول حجم المياه المستخدمة في إنتاجها الزراعي، وهذا الأمر يندرج تحت شعار “البصمة المائية”، وهو مصطلح يشير إلى حجم المياه الافتراضية المستهلكة في إنتاج السلع الزراعية المستوردة.

ووفق دراسة للبصمة المائية في الشرق الأوسط (متوسط 2012–2021) أعدّتها المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، وحصلت عليها “المدن” يُقدَّر استيراد لبنان السنوي بنحو 3.6 مليار م³ من المياه الخضراء (مياه الأمطار المخزونة في المنتجات النباتية) و0.4 مليار م³ من المياه الزرقاء (مياه الري السطحية والجوفية) ضمن وارداته الزراعية. أي أن نحو 90% من البصمة المائية المستوردة للبنان هي مياه أمطار مُستهلكة في الدول المورِّدة (مثل أوكرانيا وروسيا وغيرها)، و10% فقط مياه ريّ.

وتشمل المنتجات الرئيسية التي تسهم في بصمة مياه الاستيراد الخضراء اللبنانية: القمح (الحصة الأكبر نحو 24% من إجمالي المياه الخضراء المستوردة) ، يليه الذرة الصفراء وفول الصويا (حوالي 10% لكل منهما) ، ثم زيت عباد الشمس (8%) والبن (8%) وقصب السكر (7%) والكاكاو والسمسم (~6% لكل منهما). وهذا يعكس اعتماد لبنان الكبير على استيراد الحبوب والزيوت النباتية والسكر لتحقيق أمنه الغذائي. أما من ناحية مصادر الاستيراد الخارجية، فتُظهر البيانات أن أبرز الدول الموردة للمياه الافتراضية إلى لبنان عبر المنتجات الزراعية هي أوكرانيا (حوالي 17% من إجمالي المياه الخضراء المستوردة)، تليها روسيا (14%) ثم البرازيل (10%) والأرجنتين (7%) والسودان (5%) وغيرها.

ونتيجة لهذا النمط التجاري، فإن البصمة المائية لاستهلاك لبنان تفوق بكثير موارده المحلية. تشير الدراسات إلى أن حوالي 72% من إجمالي البصمة المائية لاستهلاك اللبنانيين تأتي من موارد مائية خارج لبنان (أي مياه مستوردة ضمن الأغذية والمنتجات)، مقابل 28% فقط تغطيها الموارد المائية الداخلية. يُوضح الشكل التالي هذا الاعتماد الكبير على المياه الخارجية:

Image-1768653666

نسبة الاعتماد الخارجي مقابل الداخلي في البصمة المائية لاستهلاك لبنان (حوالي 72% مياه افتراضية مستوردة مقابل 28% من الموارد المحلية).

والمقصود بالبصمة المائية للاستهلاك إجمالي حجم المياه (المحلية + المستوردة) المطلوبة لإنتاج ما يستهلكه سكان البلد من غذاء وسلع. يعكس ارتفاع الاعتماد الخارجي (72%) مدى ارتباط أمن لبنان المائي والغذائي بالتجارة الدولية. فعلى الرغم من موارد لبنان المائية، فإن استيراد الغذاء بكميات كبيرة يُعوِّض العجز في الإنتاج الزراعي المحلي ويعادل استيراد كميات ضخمة من المياه بشكل غير مباشر.

الموارد المائية الداخلية واحتياجات المياه السنوية

يمتلك لبنان تقليدياً موارد مائية أفضل من كثير من دول المنطقة بفضل مناخه الشتوي ومناطقه الجبلية. إجمالي الموارد المائية المتجددة داخلياً (من أمطار وأنهار ومياه جوفية متجددة) يقدّر بنحو 4.5 مليار متر مكعب سنوياً حسب إحصاءات منظمة الأغذية والزراعة. هذا الرقم يشمل مياه الأمطار التي تُغذِّي نحو 40 نهراً (16 منها دائمة الجريان) والمياه الجوفية عبر التكوينات الكارستية في جبال لبنان. إلا أن جزءاً كبيراً من هذه الموارد لا يُستغل فعلياً بسبب التباين الموسمي وقلة القدرة التخزينية. ويبيّن الجدول أدناه أبرز مؤشرات الموارد المائية اللبنانية مقابل الاستخدام والاعتماد على الواردات:

Image-1768653614

كما يبيّن الجدول أعلاه، أن الاستخدام السنوي للمياه من المصادر الداخلية يبلغ حوالي 1.8 مليار م³، يذهب القسم الأكبر منه للزراعة (ري المحاصيل يشكّل نحو 50–70% من السحب الكلي حسب التقديرات)، بينما يُستهلك الباقي في القطاعات المنزلية (بلدية) والصناعية. وقد شهد الطلب على المياه ارتفاعاً بمرور العقود مع النمو السكاني وتحسّن مستويات المعيشة، إذ قُدِّر بنحو 1.3 مليار م³ عام 2005 وارتفع إلى ما يقارب 1.8 مليار م³ مؤخراً (2020). في المقابل، انخفض نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى حوالي 600 متر مكعب سنوياً فقط في الوقت الحالي بعد أن كان يفوق 1,000 م³/فرد قبل بضعة عقود – أي بات دون خط الفقر المائي العالمي (1000 م³ للفرد). هذا التراجع يعكس مزيجاً من زيادة عدد السكان (بما فيه تدفق اللاجئين) وتقلبات المناخ التي أثرت على معدلات الأمطار.

ورغم أن إجمالي الموارد المتجددة (~4.5 مليار م³) يفوق الاستخدام الحالي (~1.8 مليار م³) نظرياً، إلا أن الكثير من مياه لبنان لا يمكن الاستفادة منها فعلياً. إذ إن أكثر من 50% من الجريان السطحي السنوي ينتهي مباشرة في البحر دون تخزين أو استعمال، نظراً لمحدودية السدود والخزانات. وكذلك تعاني شبكات التوزيع من هدر يتجاوز 50% بسبب التسربات والاعطال. وهذا يعني أن كميات كبيرة من الموارد المائية تضيع قبل أن تصل للمستهلك النهائي أو المزارع، مما يقلّص فعلياً المياه المتاحة للاستعمال عن الرقم النظري للموارد. وبناءً على معايير الأمم المتحدة، يُصنَّف لبنان حالياً ضمن الدول ذات الإجهاد المائي المرتفع (حيث تزيد نسبة سحب المياه إلى الموارد المتجددة عن 40%). تشير بيانات عام 2020 إلى أن لبنان يستخدم نحو 58–60% من موارده المتجددة المتاحة سنوياً، وهي نسبة تضعه في حالة إجهاد مائي حاد وقابلة للارتفاع مستقبلًا مع ثبات الموارد وازدياد الطلب.

الفجوة بين المتاح والمطلوب مائياً

في الوقت الراهن، يعاني لبنان بالفعل من نقص مائي ينعكس في عدم تلبية الطلب بشكل موثوق. وتصف التقارير لبنان بأنه “غير آمن مائياً” حتى قبل حلول عام 2030. العديد من المناطق تشهد تقنيناً حاداً في المياه المنزلية (انقطاع المياه العامة لأيام) مما يضطر السكان للاعتماد على صهاريج خاصة ومياه معبأة، كما يواجه المزارعون نقصاً يؤثر على الإنتاج الزراعي. يُعزى هذا العجز الظاهر إلى الفجوة بين الموارد النظريّة المتاحة وكميات المياه التي يمكن توفيرها واستعمالها فعلياً. فخلال فصول الجفاف وذروة الطلب الصيفي، تقل التغذية المائية للأنهار والينابيع بشكل كبير، وتتراجع نوعية المياه بسبب التلوث، في حين يظل الطلب الزراعي والمنزلي مرتفعاً. النتيجة هي أن كميات كبيرة من الاحتياجات المائية لا تُلبّى في الوقت المناسب والمكان المطلوب.

وبحسب الاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه المحدثة (2020–2035) وتقديرات الخبراء، من المرجح أن تتفاقم الفجوة المائية بدون تدخلات جذرية. فعلى امتداد العقد المقبل، يتوقع ازدياد الطلب السنوي الكلي (مع عودة النمو الاقتصادي وارتفاع حاجات الري) ليقارب 1.8–2.0 مليار م³ بحلول عام 2035. بالمقابل قد تتأثر الموارد المتجددة سلباً بتراجع الأمطار ~10-20% نتيجة التغير المناخي بحلول عام 2035. 

تتنبأ أحدى الدراسات الحديثة  بعجز مائي سنوي يصل إلى نحو 610 مليون م³ بحلول عام 2035 إن استمرت الاتجاهات الحالية – أي أن لبنان قد يحتاج أكثر بحوالي 0.6 مليار م³ مما يمكن لموارده تأمينه سنوياً. هذا العجز الكبير (قرابة ثُلث الاستخدام الحالي) يُشكل تحدياً خطيراً لاستدامة المياه وللأمن الغذائي في البلاد، وسيتطلب تعويضه عبر ترشيد الاستهلاك بشكل واسع، واللجوء إلى مصادر غير تقليدية (كمعالجة مياه الصرف وتحلية مياه البحر) أو زيادة الاعتماد على استيراد المنتجات “المحمّلة بالمياه” من الخارج.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر البيانات الإقليمية أن تلبية الطلب الغذائي عبر الاستيراد (المياه الافتراضية) كانت صمام أمان للبنان حتى الآن، لكنها ليست حلاً مستداماً بالكامل. فارتفاع الأسعار العالمية أو اضطراب سلاسل التوريد – كما حدث خلال أزمة حرب أوكرانيا – كشف هشاشة أمن لبنان الغذائي الذي يستورد ~80% من حاجته للحبوب. ومع استمرار شح الموارد المائية محلياً، قد يضطر لبنان للاعتماد أكثر على الواردات الغذائية، مما يعني “استيراد” المزيد من المياه الافتراضية من الخارج لسد عجزه المائي والغذائي.

بالخلاصة، يستورد لبنان ما يوازي حوالي أربع مليارات م³ من المياه سنوياً ضمن غذائه المستورد، في حين تبلغ احتياجاته المائية المحلية قرابة 1.5–1.8 مليار م³ سنوياً لمختلف القطاعات. موارد لبنان المتجددة (~4.5 مليار م³) تكفي نظرياً لتغطية الطلب، لكن فعلياً يتبدد الكثير منها وتبقى فجوة مائية آخذة بالاتساع بفعل العوامل المناخية والبنية التحتية الضعيفة وازدياد الاستهلاك. هذه الفجوة بين المتاح والمطلوب تستدعي تحركاً عاجلاً عبر تحسين إدارة الموارد (تقليل الهدر والتلوث) وزيادة طاقة التخزين والإمداد، والتخطيط الزراعي والغذائي الذي يوازن بين إنتاج المحاصيل محلياً واستيرادها بما يحفظ الأمن المائي والغذائي للبنان.

مصدرالمدن
المادة السابقةلعبة المضائق والصراع على خطوط التجارة الدوليّة
المقالة القادمةنحاس ألمنيوم بطاريات… للبيع: لبنان بلد الخُردَة