الرئيسية اقتصاد لبنان مؤسّسة مطار بيروت: استكمال الإطار التشغيلي والاستثماري

مؤسّسة مطار بيروت: استكمال الإطار التشغيلي والاستثماري

من المرتقب أن ينظر مجلس الوزراء، اليوم الاثنين، في طلب وزارة الأشغال العامّة والنقل الموافقة على تأسيس شركة مساهمة، تُسمّى “مؤسّسة مطار بيروت الدولي”، تنفيذاً لأحكام قانون إدارة قطاع الطيران المدني. هكذا، وبعد نحو 24 سنة من المماطلة والتسويف في تنفيذ القانون الصادر عام 2002، بدأ البحث في استكمال الإطار التشغيلي والاستثماري للمطار، الذي سيُدار عبر هذه الشركة. مع الإشارة إلى أنّ الإطار الإشرافي والرقابي والتظيمي كان قد تشكّل في تمّوز الماضي، مع تعيين الهيئة العامّة للطيران المدني، التي نصّ عليها القانون نفسه كهيئة ناظمة، وتأخّر تشكيلها.

في هذا المقال، تعرض “المدن” الوظائف التنفيذيّة التي يفترض أن تؤدّيها شركة مؤسّسة مطار بيروت الدولي، وكيفيّة تكاملها مع الأدوار التي ستؤدّيها مستقبلاً الهيئة الناظمة للقطاع، والمتمثّلة بالهيئة العامّة للطيران المدني.

فصل التظيم عن الاستثمار

عام 2002، جاء قانون “إدارة قطاع الطيران المدني” مُعتمداً على نفس الأسس التي جرى على أساسها التخطيط لمستقبل القطاعات الأخرى، مثل الاتصالات والكهرباء، والقائم على الفصل ما بين أنشطة التنظيم والإشراف والرقابة من جهة، وشؤون الاستثمار والتشغيل من جهة أخرى.

وهذا ما استجوب، بحسب أسباب القانون الموجبة، إيجاد هيئة مستقلة تتولى الشؤون التنظيميّة تسمى الهيئة العامة للطيران المدني. وفي المقابل، نصّ على تأسيس الشركات التي ستتولى تجهيز واستثمار المطارات ومختلف العمليات المرتبطة بها. وبالنسبة لمطار بيروت، ستتولّى هذا الدور المؤسّسة التي ينظر بشأنها مجلس الوزراء اليوم (مؤسّسة مطار بيروت الدولي).

هكذا، توقّف نجاح هذا النموذج منذ البداية على وضوح الحدود والتمايز ما بين صلاحيّات الهيئة الناظمة والشركة أو الشركات المشغّلة. فإذا تدخّلت الهيئة الناظمة في التفاصيل التشغيليّة اليوميّة، أو القرارات التنفيذيّة، فستفقد الشركات المشغلة المرونة المطلوبة لإدارة المطار بكفاءة. وإذا تُركت الشركات المشغّلة دون رقابة فعليّة، فقد تتراجع معايير الكفاءة والسلامة العامّة، لحساب المصالح التجاريّة. المطلوب إذاً، بحسب هذا النموذج، هو توازن دقيق يسمح بممارسة الهيئة الناظمة لدورها كحكم ومنظم ومراقب، مع ترك الهامش المطلوب للشركات المشغّلة للعب دورها كمستثمر.

دور مؤسّسة مطار بيروت الدولي

المادّة 14 من القانون تجيز للحكومة تأسيس شركة مساهمة، تحمل إسم “مؤسّسة مطار بيروت الدولي”، لتلعب الدور التشغيلي والاستثماري الذي تحدّثنا عنه. وبحسب المادّة نفسها، تُعتبر أسهم الشركة بكاملها ملك الدولة اللبنانيّة، مع إمكانيّة تحويل إدارة أو استثمار بعض الخدمات إلى القطاع الخاص، أو بيع أسهم للشركة وفق القواعد المحدّدة في قانون الخصخصة الذي تم إقراره عام 2000. والمادّة نفسها، تسمح للحكومة بتأسيس شركات مماثلة في أي مطار آخر من المطارات المدنيّة، ما يعني إمكانيّة وجود شركات مشغلة مختلفة لمطارات عدّة.

وبحسب القانون، ستتولّى هذه المؤسّسة تجهيز وتشغيل وصيانة وتطوير منشآت المطار وخدماته ونشاطاته، إلى جانب إدارة واستثمار المساحات والمرافق ذات الطابع التجاري والصناعي داخله. وهذا ما يشمل الخدمات الأرضية، ومحطات الوقود، ومواقف السيارات، والأسواق الحرة، والمطاعم، وتموين الطائرات، ومرافق الشحن والبريد وسواها.

ويعود للمؤسّسة تنظيم العمل داخل منشآت المطار، وتحديد المساحات التي تشغلها الإدارات والأجهزة العاملة فيه، وتنظيم الدخول إلى المناطق المحظورة أو الأمنية، وتحديد واستيفاء البدلات والتعريفات العائدة للخدمات التي تقدّمها، بعد تصديقها من قبل الهيئة العامة للطيران المدني (الهيئة الناظمة).

ولا يقتصر دور المؤسسة على الجانب التجاري والتشغيلي. إذ تشمل مهامها أيضاً تطبيق القوانين والأنظمة المتصلة بالعمليات الأرضية وسلامة المسافرين والطائرات والعاملين في المطار، وتأمين خدمات الإطفاء والبحث والإنقاذ والإسعافات الأولية، وتنفيذ البرنامج الأمني للمطار بالتنسيق مع الجهات المختصة. كما ستتولى إدارة المجالات الجوية المخصصة للطيران المدني، وتأمين خدمات الملاحة والمراقبة الجوية والاتصالات والرصد الجوي، وتشغيل الأجهزة المساعدة للملاحة، كل ذلك ضمن نطاق صلاحيّاتها وتحت رقابة الهيئة الناظمة وتصديقها حيث يقتضي القانون.

وبهذا المعنى، ستُحصر بالشركة جميع الأنشطة الاستثماريّة التي كانت مجزّأة سابقاً وفق عقود وترتيبات منفصلة، وبموجب اتفاقيّات مجزّاة، على أن تعيد الشركة تلزيم ما تراه مناسباً من أنشطة وفق خطّة موحّدة للمطار.

دور الهيئة الناظمة

كل ما سبق ذكره، لا يقلّل من دور القيود التظيميّة التي يفترض أن تضعها الهيئة العامّة للطيران المدني، والتي يفترض أن تضبط النشاط الاستثماري في المطار. فالهيئة، وبوصفها الجهة الناظمة للقطاع، ستتولّى إعداد وتطبيق الأطر القانونية والتنظيمية المرتبطة بسلامة الطيران المدني، وصلاحية الطائرات، وتدريب العاملين، ومنح الشهادات والإجازات والتراخيص، إلى جانب تسجيل الطائرات والمساهمة في التحقيق في الحوادث والوقائع الجوية.

وستضطلع الهيئة بدور أساسي في رسم المبادئ العامة لسياسة النقل الجوي، والإشراف على عمليات النقل الجوي المدني، وتصديق التعريفات العائدة للمسافرين والشحن والبريد الجوي، ومنح تراخيص العمل والنقل الجوي، فضلاً عن إدارة العلاقات مع هيئات الطيران المدني والمنظمات الدولية والإقليمية وتطبيق الاتفاقيات الدوليّة ذات الصلة.

وتشمل صلاحيات الهيئة التنظيم والإشراف والرقابة على المطارات المدنية وخدمات الملاحة الجوية والاتصالات والرصد الجوي. فهي تحدد شروط إنشاء واستثمار المطارات ونطاقها، وتشرف على تطوير مرافقها وتنفيذ برامجها الأمنية، وتراقب عمليات التشغيل والتجهيز والصيانة، وتنظم عمل شركات الطيران والخدمات المرتبطة بها، وتصدِّق البدلات والتعريفات العائدة للمطارات وخدمات الملاحة والاتصالات والرصد الجوي.

في الخلاصة، تأسيس الشركة وحده لا يكفي لضمان نجاح النموذج الجديد، المنصوص عنه في القانون منذ 23 سنة. فالتحدّي الأبرز خلال المرحلة المقبلة، سيرتبط بالحوكمة والشفافيّة، خصوصاً مع تحكّم الشركة بأنشطة تجاريّة واستثماريّة واسعة داخل المطار، وهذا ما يفرض إخضاع قراراتها لقواعد واضحة في التعاقد والمحاسبة والإفصاح المالي ومنع تضارب المصالح. كما سيكون على الهيئة الناظمة وضع الضوابط الكفيلة بعدم تحوّل التلزيمات إلى حتكارات غير شفّافة، مع أثبات قدرتها على ممارسة الرقابة الجديّة والمستقلّة

مصدرالمدن - علي نور الدين
المادة السابقةمعهد التمويل الدولي يفنّد تداعيات الحرب: الناتج في لبنان ينكمش 13% في 2026
المقالة القادمةالقرض الحسن أمام القضاء… من يحاسب المصارف وينصف المودعين؟