الرئيسية اقتصاد لبنان مستقبل العلاقات الاقتصادية مع سوريا: هل لبنان جاهز؟

مستقبل العلاقات الاقتصادية مع سوريا: هل لبنان جاهز؟

* شكّلت الزيارة الرسمية التي قام بها وفد اقتصادي لبناني إلى دمشق يومي 14 و15 تموز 2026، برئاسة وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، محطةً مهمة في مسار إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا. ما يفتح الباب أمام إعادة التفكير في أسس العلاقة الاقتصادية بين البلدين بما يراعي المصالح المشتركة، واحترام سيادة الدولتين، ومتطلبات التنمية المستدامة. وفي هذا السياق، يحاول هذا المقال مقاربة الفرص والتحديات التي تطرحها هذه المرحلة، ورسم ملامح إطار جديد للعلاقات الاقتصادية اللبنانية–السورية.

يشهد مستقبل سوريا نقاشاً متزايداً حول طبيعة المرحلة الانتقالية ومسار إعادة بناء الدولة خلال السنوات المقبلة. وفي هذا السياق، تكتسب الدراسة التي أعدها محمد سرميني ونشرها مركز جسور حول الرؤية الاستراتيجية لإدارة المرحلة الانتقالية وتحقيق الاستقرار (2026–2030) أهمية خاصة، إذ تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن نجاح المرحلة الانتقالية لا يُقاس فقط بحدوث تحول سياسي أو انتهاء الصراع، بل بقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية، وتعزيز شرعية مؤسساتها، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق التنمية المستدامة.

وتطرح هذه المقاربة سؤالاً يتجاوز الداخل السوري ليصل مباشرة إلى الدول المجاورة، وفي مقدمتها لبنان: إذا كانت سوريا تسعى إلى بناء دولة أكثر استقراراً وفاعلية خلال العقد المقبل، فهل لبنان جاهز للتعامل مع هذا التحول وتحويله إلى فرصة اقتصادية وتنموية، أم أنه سيبقى أسير أزماته الداخلية وعاجزاً عن الاستفادة من التحولات الإقليمية؟

فالعلاقات الاقتصادية بين لبنان وسوريا لم تكن يوماً مجرد علاقات تجارية بين دولتين متجاورتين، بل كانت جزءاً من منظومة واسعة من المصالح المتبادلة، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك الأسواق وحركة الأشخاص ورؤوس الأموال. ولذلك فإن مستقبل هذه العلاقات سيكون انعكاساً ليس فقط لمسار بناء الدولة السورية، بل أيضاً لقدرة لبنان على إعادة بناء دولته واقتصاده.

سوريا الجديدة وتحديات بناء الدولة

إن نجاح أي مسار لإعادة بناء الدولة السورية سيعتمد على قدرة المؤسسات الجديدة على تجاوز إرث الحرب والانقسام وضعف الإدارة العامة، والانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ والمساءلة.

فالدولة التي تسعى إلى استعادة دورها تحتاج إلى أكثر من إعادة تشغيل المؤسسات القائمة؛ فهي تحتاج إلى بناء شرعية مؤسسية جديدة، وتعزيز سيادة القانون، وإصلاح الإدارة العامة، وإطلاق اقتصاد منتج قادر على خلق فرص العمل وجذب الاستثمارات.

كما أن نجاح المرحلة الانتقالية يرتبط بمعالجة قضايا أساسية مثل العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، واستكمال الاستحقاقات الدستورية والانتخابية، وإيجاد صيغة متوازنة للعلاقة بين المركز والمناطق.

إذا نجحت سوريا في تحقيق تقدم على هذه المسارات، فإن ذلك سيؤدي إلى نشوء بيئة اقتصادية مختلفة عن مرحلة الحرب، تقوم على مؤسسات أكثر انتظاماً وقواعد أكثر وضوحاً للتجارة والاستثمار.

فرص التعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا

في حال تمكنت سوريا من استعادة قدر من الاستقرار السياسي والمؤسسي، فإن ذلك قد يفتح المجال أمام فرص واسعة للتعاون مع لبنان.

يمتلك البلدان مقومات تكامل اقتصادي مهمة، أبرزها القرب الجغرافي، وتشابك الأسواق، وإمكانات التعاون في مجالات النقل والطاقة والتجارة والخدمات.

يمكن للبنان، بحكم خبراته في الخدمات المالية والتعليمية والصحية واللوجستية، أن يؤدي دوراً داعماً في مرحلة التعافي السوري. كما يمكن للمرافئ اللبنانية، إذا جرى تطويرها وإدارتها بكفاءة، أن تستفيد من حركة التجارة الإقليمية المرتبطة بإعادة الإعمار.

كذلك يمكن أن يشكل الربط في مجالات الطاقة والنقل والزراعة والصناعة فرصة لإقامة شراكات تخدم مصالح البلدين، شرط أن تنتقل العلاقة من منطق المصالح الضيقة والشبكات غير الرسمية إلى منطق الاتفاقات والمؤسسات والقواعد الواضحة.

لكن هل لبنان جاهز؟

السؤال الأساسي الذي يجب طرحه في بيروت لا يتعلق فقط بما ستفعله سوريا، بل بما يستطيع لبنان أن يفعله.

فلبنان يمتلك تاريخياً عناصر قوة مهمة، لكنه يعاني في الوقت نفسه من أزمة عميقة في مؤسساته واقتصاده وقدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة المدى.

أول التحديات يتمثل في غياب رؤية وطنية واضحة للعلاقات الاقتصادية مع سوريا. فالملف السوري في لبنان بقي لفترة طويلة أسير الانقسامات السياسية، بينما يحتاج التعامل مع التحولات المقبلة إلى مقاربة اقتصادية تقوم على تحديد المصالح اللبنانية وإدارة العلاقة وفق قواعد الدولة.

أما التحدي الثاني فهو ضعف القدرة المؤسساتية اللبنانية. فالدولة التي تعاني من تراجع الإدارة العامة وضعف التخطيط وصعوبة تنفيذ السياسات لن تكون قادرة على المنافسة في بيئة إقليمية متغيرة.

البنية التحتية والقدرة التنافسية

يشكل وضع البنية التحتية اللبنانية تحدياً أساسياً أمام أي دور اقتصادي مستقبلي.

فالمرافئ، وشبكات النقل، والطاقة، والخدمات اللوجستية تحتاج إلى استثمارات وإصلاحات كبيرة حتى يتمكن لبنان من لعب دور اقتصادي إقليمي.

وفي الوقت نفسه، فإن سوريا المستقبل لن تبقى مجرد سوق أو مساحة عبور، بل ستسعى هي أيضاً إلى تطوير موانئها ومطاراتها وشبكاتها الاقتصادية. كما أن دولاً إقليمية أخرى ستنافس على فرص إعادة الإعمار والتجارة مع سوريا.

لذلك فإن الموقع الجغرافي وحده لن يكون كافياً لضمان دور للبنان؛ فالقدرة التنافسية تحتاج إلى مؤسسات فعالة وبيئة أعمال مستقرة.

الأزمة المالية والمصرفية

يمثل القطاع المالي أحد أبرز التحديات اللبنانية. فقد كان لبنان تاريخياً مركزاً مالياً وخدماتياً مهماً في المنطقة، لكن الأزمة المصرفية وانهيار الثقة بالمؤسسات المالية حدّا بشكل كبير من قدرته على لعب هذا الدور.

وفي حال نجحت سوريا في استقطاب الاستثمارات وإعادة تنظيم اقتصادها، فإن استمرار الأزمة اللبنانية من دون معالجة قد يؤدي إلى فقدان لبنان جزءاً من الأدوار الاقتصادية التي كان يؤديها سابقاً.

الحدود والاقتصاد غير النظامي

من الملفات الأساسية التي ستحدد مستقبل العلاقة الاقتصادية ملف الحدود بين البلدين.

لقد أدى ضعف الرقابة خلال السنوات الماضية إلى توسع أنشطة اقتصادية غير نظامية أضرت باقتصاد البلدين وبقدرة الدولة على تحصيل مواردها.

إن بناء علاقة اقتصادية جديدة يتطلب ضبط الحدود، وتنظيم التجارة، والانتقال من اقتصاد قائم على شبكات المصالح غير الرسمية إلى اقتصاد مؤسساتي شفاف.

وهذا التحدي لا يخص سوريا وحدها، بل يتطلب إصلاحاً لبنانياً أيضاً، لأن الاقتصاد غير النظامي كان نتيجة ضعف الدولة في البلدين.

اللاجئون والتنمية المشتركة

لا يمكن فصل مستقبل العلاقات الاقتصادية عن ملف اللاجئين السوريين في لبنان.

فأي تحسن في الاستقرار الاقتصادي والمؤسسي في سوريا قد يساعد على خلق الظروف اللازمة لعودة تدريجية وآمنة وطوعية، بما يخفف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على لبنان.

لكن ذلك يتطلب مقاربة تنموية مشتركة تركز على إعادة بناء المناطق المتضررة وخلق فرص العمل، وليس فقط على الجوانب الأمنية أو السياسية للملف.

المنافسة الإقليمية

يجب ألا يُنظر إلى العلاقة الاقتصادية السورية–اللبنانية بمعزل عن التحولات الإقليمية.

فتركيا والأردن ودول الخليج وغيرها من الأطراف ستسعى إلى لعب أدوار اقتصادية في سوريا المستقبل. وبعض هذه الدول يمتلك قدرات مالية ومؤسساتية أكبر بكثير من قدرة لبنان الحالية.

لذلك فإن التحدي اللبناني لا يكمن فقط في الحفاظ على علاقة تاريخية مع سوريا، بل في القدرة على المنافسة ضمن بيئة إقليمية جديدة.

مساران متوازيان لمستقبل العلاقات

إن مستقبل العلاقات الاقتصادية السورية–اللبنانية سيكون مرتبطاً بمسارين متوازيين: مسار بناء الدولة السورية، ومسار قدرة لبنان على إصلاح دولته واقتصاده.

فإذا نجحت سوريا في بناء مؤسسات أكثر فاعلية واستقراراً، بينما بقي لبنان يعاني من أزماته البنيوية، فقد تتحول التحولات السورية من فرصة اقتصادية للبنان إلى مصدر جديد للتحدي والمنافسة.

أما إذا نجح لبنان في استعادة مؤسساته، وإصلاح اقتصاده، ووضع رؤية واضحة لعلاقاته الإقليمية، فإن القرب الجغرافي والتاريخ المشترك يمكن أن يتحولا إلى فرصة لبناء علاقة اقتصادية متوازنة تخدم مصالح البلدين.

السؤال لم يعد فقط: كيف ستتغير سوريا خلال السنوات المقبلة؟

بل أصبح أيضاً: هل يستطيع لبنان أن يتغير بالسرعة الكافية ليستفيد من هذا التحول؟

فالفرص موجودة، لكن تحويلها إلى واقع يتطلب دولة قادرة، ومؤسسات فاعلة، ورؤية اقتصادية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو بناء شراكة إقليمية قائمة على المصالح المشتركة والقواعد الواضحة.

مصدرالمدن - زياد عبد الصمد
المادة السابقة“المالية” تطلق جلسات إلكترونية لمساعدة المكلفين بالضرائب