صحيح أن لبنان عانى منذ 2019 من إنهيار كبير وحجزت أموال المودعين بينما المصارف وأصحابها وبعكس ما يُشاع إستفادوا من الازمة، فما لم يعد مسموحاً في المصارف في لبنان صحّ في المصارف الخارجيّة، أي بما معناه أن البنوك التي أعلنت أنها في أزمة فتحت فروعاً لها في الخارج…
كل هذا جيّد لكن ليس هو الأساس، فمنذ الانهيار وهناك كلام عن محاولات لايجاد حلول للأزمة المالية ولكن عبثاً، فعندما تصل الأمور الى أموال المودعين يضيع كلّ شيء سُدى، والأفظع من ذلك أن لبنان الذي لم ييتقدم بخطوة تشبه على الاقل ما حصل في ايسلندا لحلّ مشكلتها، لم يستخدم اليوم أهمّ سلاح في يديه وهو احتياطي الذهب ليستفيد من التقلبات في الأسعار العالمية.
حسناً يعرف الجميع أن المسّ بالذهب يحتاج الى قانون في مجلس النواب ولكن هناك أدوات أخرى يُمكن اللجوء اليها للاستفادة من الارتفاعات والانخفاضات في الاسعار، وهذا ما لم يفعله مصرف لبنان، ولو فعلها لكان هذا كافياً ليكسب بحدود الـ10 مليار دولار فقط في هذا التغيير بالسعر بين الامس واليوم.
ويشرح الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان أنه “كان على مصرف لبنان أن يقوم بما يسمى بشراء أدوات تحويط للحدّ من تقلبات الاسواق تخوّله أن يحيّد نفسه عن تقلبات سوق الذهب من دون اللجوء الى بيع أي من الاحتياطي الموجود لديه، وهذه الخدمة أو Option لديها تاريخ إنتهاء صلاحية لاستخدامها أو Expiry Date، ولو فعلها مصرف لبنان لكان وبحسبة بسيطة كسب 10 مليار دولار، خصوصا وأنه يملك بحدود 9200 أونصة وقد كان سعرها في الحد الاقص الّتي وصلت اليه 5500 دولار وانخفضت بشكل حاد الى 4200 دولار”.
بالمختصر كان يُمكن للمصرف المركزي أن يكسب مبلغ الـ10 مليار دولار دون أن يقوم بأي شيء، وهذا لا يعتبر “تنظيراً” وهو حقيقة علمية يتحدث بها عالمون بالبورصات والاسواق الماليّة، ولكن الاهم من هذا لماذا لم يلجأ المصرف المذكور الى استخدام هذه الادوات المالية؟ إذا كان عن عدم دراية فمشكلة كبيرة. خصوصا وأن لبنان يقوم بمفاوضات مع صندوق النقد الدولي ويقدم كل التنازلات فقط للحصول على 3 مليار دولار، فكيف بالاحرى إذا كان المبلغ الذي فوّته مصرف لبنان على المودعين والدولة هو 10 مليار دولار وهو أكثر بكثير من موازنة الدولة التي تبلغ 6 مليار دولار؟!.
أبعد من ذلك وما حصل من هدر مالي، قامت الحكومة بدرس قانون الفجوة المالية وحتى اليوم هي لا تملك ارقاماً للخسائر التي لديها، وتعجز عن ردّ أموال المودعين وتتحدّث عن اعادتها لمن لديهم تحت 100 ألف دولار على أربع سنوات أما من يملكون أكثر من هذا المبلغ فسيحصلون على سندات خزينة وغيره… أي على اوراق دون ذات قيمة فعلية، بالمقابل فوّت مصرف لبنان على المودعين هذا المبلغ الذي يصل الى 10 مليار دولار وهو فرصة حقيقية لإعادة جزء كبير من أموالهم.
نعم في لبنان هناك أزمة ولكن بعد قراءة المشهد كاملاً، لم نعد نعرف إذا كان حقًّا من يمسك بزمام القرار الحكومي في لبنان وخصوصاً المالي، يريد النهوض بالدولة ويعمل لاستعادة اللبنانيين لأموالهم؟… بعد كلّ هذا، الأكيد بات من الواضح أن الازمة مفتعلة وأن الفرص للخروج منها كانت كثيرة، وحتى إمكانية اعادة الاموال المودعين كاملة ونقداً، ولكن يبدو أن ليس هناك من رغبة بذلك!.



