سواء نفّذ ترامب تهديداته بضرب منشآت الطاقة الإيرانية أم بقي على تراجعه، فإن إيران نجحت بتحويل مضيق هرمز ــــ الشريان الحيوي الذي يُستخدم عادةً لنقل نحو 20% من إمدادات النفط في العالم ــــ إلى أداة ردع استراتيجية، عبر رفع مستوى المخاطر فيه، وهو الأمر الذي أدى تعطيل حوالي 90% من حركة الملاحة العالمية.
هرمز عنق الزجاجة الحيوي
عملياً، لا يُعتبر هذا المضيق مجرد ممر مائي ضيق، بل يشكّل عنق زجاجة عالمي متعدد الأبعاد. وفي حين يحدّ هذا الممر من الشمال إيران، ومن الجنوب عُمان والإمارات، يبلغ عرضه عند مدخله ومخرجه نحو 50 كيلومتراً (31 ميلاً). علاوة على ذلك، يستوعب المضيق من 20 إلى 30 ناقلة نفط يومياً، ولهذا يُستخدم من قبل كبار منتجي النفط والغاز الطبيعي المسال في الشرق الأوسط، وزبائنهم.
ضع في اعتبارك أن المميزات الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تتعلق فقط بضيقه الجغرافي (33 كلم)، إنما بكونه يجمع في مساحة محدودة مسارات الملاحة البحرية، وحركة جوية كثيفة، وبنية تحتية حساسة مثل الكابلات والاتصالات وأنابيب الطاقة. لذلك، أي اضطراب فيه لا يقتصر على تعطيل السفن، غير أنه ينعكس مباشرة على شبكة متكاملة من حركة التجارة والطاقة في العالم.
كما يتميّز المضيق بموقعه الفريد، حيث يربط بين ثلاث مناطق أساسية: أولها الخليج العربي كمصدر للطاقة، وثانيها بحر العرب كممر تجاري مفتوح، وثالثها المحيط الهندي حيث الأسواق الكبرى في آسيا.
الأكثر أهمية أن قوة مضيق هرمز لا تُختصر فقط بموقعه، لكن أيضاً في غياب البدائل الحقيقية له. فحتى مع وجود خطوط أنابيب موازية، يبقى الجزء الأكبر من الطاقة العالمية مضطراً للمرور عبره، ما يجعله عاملاً لا يمكن الاستغناء عنه في الاقتصاد العالمي.
هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة
لطالما خشي محللو الطاقة الذين وضعوا سيناريوهات لحرب تشمل إيران من تطورين: قيام الأخيرة بضرب جيرانها، وفرض حصار على مضيق هرمز، الذي يمر عبره يومياً ثلث النفط الخام المنقول بحراً عالمياً، وخُمس الغاز الطبيعي المسال.
ففي العام 2025، مرّ عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يومياً، وفقاً لتقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية (EIA)، ويعادل ذلك ما يقارب 600 مليار دولار من تجارة الطاقة سنوياً.
ليس هذا فحسب، فبعد أن كان المضيق يشهد حركة مرور كثيفة قبيل اندلاع الحرب، والتي يبلغ معدلها في العادة نحو 3 آلاف سفينة شهرياً (على ذمة إدارة معلومات الطاقة الأميركية)، انخفض هذا العدد بشكل كبير مؤخراً على أثر قيام طهران بمهاجمة ما لا يقل عن 21 سفينة منذ بداية الحرب، من هنا، لم تعبر المضيق بين 2 و14 آذار/مارس الجاري، سوى 47 سفينة شحن وناقلة نفط، العديد منها تملكها إيران أو دول صديقة لها.
بالمقابل، أوضح محللو شركة “ويندوارد” المتخصصة في تحليل بيانات الشحن العالمي، أن حركة المرور في المضيق انخفضت من أكثر من 100 ناقلة يومياً قبل الحرب، إلى 21 ناقلة فقط منذ بداية النزاع، فيما بقيت مئات السفن عالقة في خليج عُمان، مع آلاف البحارة على متنها بانتظار السماح بالعبور.
وكان تقرير للشركة، أشار في مطلع آذار الحالي إلى وجود 26 ناقلة باتت تنجرف أو ترسو في مياه الخليج دون وجهات محددة. ولفت التقرير، الى أن 27 سفينة تحمل ما يُقدّر بنحو 12 مليون برميل من النفط، باتت في وضع عبور من دون وجهات تفريغ مؤكدة، وتنتظر في بحر العرب اتضاح الصورة التشغيلية.
الانعكاسات الاقتصادية والتجارية لإغلاق هرمز
منذ بدء القصف الإسرائيلي ــ الأميركي على إيران، ارتفعت أسعار النفط حتى تجاوز خام برنت القياسي العالمي 113 دولاراً للبرميل صباح 23 الجاري.
إلى جانب ذلك، أسفرت الهجمات الإيرانية بالطائرات المسيّرة على مصافي النفط في الضفة الجنوبية للخليج، عن إغلاق المصافي القطرية الضخمة التي تنتج 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم، وهو ما تسبّب بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 50% في معظم أنحاء العالم، وبنسبة 91% في آسيا (الأرقام تعود هنا لمجلة الإيكونوميست البريطانية).
لكن انعكاسات أزمة الطاقة امتدت أيضاً إلى الزراعة، فمن المعروف أن منطقة الخليج العربي تُعدّ مصدراً لما يقرب من نصف المغذّيات الزراعية في العالم، من خلال تحويل الغاز الطبيعي إلى أسمدة. وعليه، وبسبب الحرب، ارتفعت أسعار الأسمدة خصوصا (اليوريا) في أسواق مثل مصر نحو 37% (وفق المجلة)، مما يهدد كلاً من موسم الزراعة الربيعية في نصف الكرة الشمالي والأمن الغذائي في دول الجنوب العالمي.
هرمز وحركة رأس المال
في الواقع، لا يقتصر دور مضيق هرمز على كونه ممراً للطاقة، فهو يُعدّ أيضاً قناة حيوية لتدفّق رأس المال في الاقتصاد العالمي، وهذا يظهر عبر تركّز رأس المال في بنية المنطقة التحتية.
فشركات النفط الوطنية في دول مجلس التعاون الخليجي، كانت استثمرت 125 مليار دولار في منشآت الإنتاج الخاصة بها في عام 2025 وحده، مع خطط للاستمرار بهذا المعدل في المستقبل المنظور.
أكثر من ذلك، يضم أسطول ناقلات النفط العالمي الذي يخدم الخليج العربي بشكل أساسي، حوالى 7 آلاف و500 ناقلة، تبلغ تكلفة كل واحدة كبيرة من فئة “سويزماكس” نحو 100 مليون دولار، علماً أن هناك حوالي 900 ناقلة منها تبحر عادةً في أعالي البحار، بقيمة إجمالية تبلغ 90 مليار دولار، استناداً إلى موقع شركة “European Maritime Finance” المُتخصّصة في قطاع الشحن البحري.
في المحصلة، يبرز مصدّرو الغاز الأميركيون كأحد أكبر المستفيدين من الحرب، وهو ما نستخلصه من قول وزير الداخلية الأميركية دوغ بورغوم، الذي أعلن الأسبوع الماضي في طوكيو ،عن “صفقات طاقة بقيمة 57 مليار دولار مع شركات آسيوية”.



