خلال الأسبوع الحالي، قفزت أسعار سندات اليوروبوند اللبنانيّة، أي سندات الدين بالعملة الأجنبيّة، إلى مستويات تتراوح ما بين 29 و29.42 سنتاً للدولار، وفقاً لتاريخ استحقاق كل شريحة من السندات. وبهذا الشكل، سجّلت السندات ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة 3 بالمئة، مقارنة بالأسعار الرائجة قبل أسبوع واحد فقط. أمّا إذا احتسبنا إجمالي الارتفاع منذ بداية السنة، أي منذ أقل من شهر، فسنكون أمام نسبة زيادة كبيرة تقارب الـ 26 بالمئة. مع الإشارة إلى أنّ أسعار هذه السندات في السوق لم تكن تتجاوز حدود الـ 23.23 سنتاً للدولار، خلال يوم العمل الأخير من السنة الماضية.
أسباب ارتفاع الأسعار
يمكن الحديث عن ثلاثة أسباب أساهمت في دفع الأسعار صعوداً هذا الأسبوع. فخلال الأيام الماضية، تم الإعلان عن زيارة مرتقبة لبعثة صندوق النقد الدولي، بين 9 و13 شباط، وهو ما أشّر إلى تطوّر منتظر في المحادثات بين السلطات اللبنانيّة والصندوق. ومن المعلوم أن صندوق النقد كان قد سجّل سابقاً بعض الملاحظات على مشروع قانون الفجوة الماليّة، كما أشار رئيس الحكومة نوّاف سلام. ومن المتوقّع أن تسهم زيارة البعثة في الضغط على القوى السياسيّة اللبنانيّة، والكتل الأساسيّة داخل المجلس النيابي، لمعالجة الملاحظات المُشار إليها، وخصوصًا تلك المتصلة بتراتبيّة توزيع الخسائر.
أمّا السبب الثاني، فيرتبط بالتصعيد الحاصل الآن في منطقة الخليج العربي، مع كل ما يُرافق هذا التصعيد من حديث عن تغيّرات سياسيّة محتملة في إيران نفسها. وكما هو معلوم، يربط حملة السندات هذا النوع من التحوّلات الإقليميّة بمستقبل الأزمة الماليّة اللبنانيّة، وخصوصًا إذا أدّت إلى تغيير سياسي موازي في لبنان. وهذا ما يُذكّر بالزيادة الكبيرة التي شهدتها أسعار السندات سابقًا، لحظة توسّع الحرب الإسرائيليّة على لبنان في الربع الأخير من العام 2024. إذ بالرغم من قسوة تلك الحرب اقتصاديًّا وماليًّا، توقّعت السوق يومها أن تشهد البلاد تحوّلات سياسيّة معتبرة على المدى المتوسّطة (وهذا ما حصل خلال العام 2025).
بالتوازي، تمثّل السبب الثالث في ارتفاع أسعار الذهب العالميّة، وهو ما أسهم في زيادة قيمة احتياطات مصرف لبنان من هذا المعدن إلى نحو 46.76 مليار دولار أميركي. ومن المعروف أنّ هذه الاحتياطات ما زالت تشكّل جزءًا من موجودات مصرف لبنان، ما يجعل خارج إطار أي حل متعلّق بديون الدولة السياديّة. إلا أنّ ارتفاع قيمة هذه الاحتياطات أدّت إلى تضييق نطاق الفجوة الموجودة في ميزانيّة المصرف المركزي، ما سينعكس على قيمة الخسائر التي يتعامل معها مشروع قانون الفجوة الماليّة.
ومن المهم التنويه إلى أنّ مشروع قانون الفجوة لم ينص على أي بيع أو استخدام فوري لاحتياطات الذهب، بل أعاد التأكيد على قانون العام 1986 الذي يفرض موافقة المجلس النيابي قبل اتخاذ أي قرار بهذا الخصوص. إلا أنّ مقاربة القانون تقوم على احتساب موجودات مصرف لبنان، بما فيها الذهب، عند قياس الفارق الإجمالي ما بين الالتزامات والموجودات، كما تنص على استفادة المودعين من عائدات أصول المصرف المركزي، أو من عائدات تصفيتها “في حال تصفيتها”. وبذلك، تُركت الخيارات مفتوحة على هذا الصعيد.
وعند تحليل الأرقام منذ بداية العام، من المهم التذكير بأن أحداث فنزويلا أثّرت أيضًا على أسعار سندات اليوروبوند اللبنانيّة. فاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أسهم في رفع سندات اليوروبوند الصادرة عن بلاده، نظرًا لطبيعة التحوّلات السياسيّة التي ترقبّتها الأسواق. وفي النتيجة، باتت السندات اللبنانيّة من بين الأصول الاستثماريّة القليلة المسعّرة عند مستويات شديدة الانخفاض، مقارنة بغيرها، في فئة سندات الدول النامية والمتعثّرة. وهذا ما دفع أسعار السندات اللبنانيّة إلى مواكبة أسعار السوق صعوداً.
استحقاق التفاوض مع حملة السندات
لم تبدأ الدولة اللبنانيّة حتّى تاريخه التفاوض الرسمي مع حملة السندات. إذ يبدو أنّ وزارة الماليّة تفضّل اكتمال الظروف المناسبة بدء هذه المفاوضات، ومنها التقدّم في المحادثات مع صندوق النقد الدولي، ما سمح بالتفاوض من موقع أفضل. كما أشارت تقارير ماليّة صادرة عن مصرف لبنان إلى أنّ بيئة الفوائد المرتفعة في الأسواق العالميّة تزيد من كلفة إعادة الهيكلة، ما يوحي بأنّ الدولة اللبنانيّة قد تحقق شروط أفضل في حال انتظار المزيد من الانخفاضات في معدلات الفوائد خارج لبنان.
لكن في المقابل، من المهم التنويه إلى أنّ ارتفاع الأسعار الحالي قد يؤدّي مستقبلاً إلى انطلاق المفاوضات من نقطة أفضل من وجهة نظر حملة السندات. إذ سيكون متوقّعًا أن يحاول الدائنون الانطلاق من أسعار السوق الحاليّة، كنقطة مرجعيّة قبل التفاوض على قيم السندات الجديدة، بعد إعادة هيكلة الدين العام. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ القطاع المصرفي اللبنانيّة سيتأثّر حكماً بنتائج هذا التفاوض المرتقب، إذ تملك المصارف ومصرف لبنان معاً قرابة نصف محفظة السندات الصادرة عن الدولة اللبنانيّة، والمُعلّق دفعها منذ آذار 2020. وخلال السنوات الماضية، قامت المصارف بحسم مؤونات معيّنة، في مقابل الخسائر المرتقبة جرّاء إعادة هيكلة الدين السيادي.



