ليس مرفأ بيروت تفصيلاً في سيرة الانهيار اللبناني، ولا محطة تقنية تُدار بالحدّ الأدنى من الرقابة. هو مرآة الدولة حين تكون، ودليل غيابها حين تغيب. من هنا، لم تمرّ زيارة السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، إلى المرفأ كجولة بروتوكولية عادية، بل بدت أشبه بوقفة سياسية–سيادية عند واحدة من أكثر النقاط حساسية في بنية الدولة اللبنانية، بعد سلسلة زيارات ميدانية أجراها، آخرها مؤسسة كهرباء لبنان.
المرفأ… ذاكرة شخصية وسؤال سيادي
قال السفير الأميركي إن مرفأ بيروت يحمل له ذاكرة شخصية تعود إلى طفولته. فالمرفأ، بالنسبة إلى عيسى، ليس مجرد منشأة اقتصادية، بل موقع سيادي يجب أن يكون “بيد الدولة اللبنانية”. هذه العبارة لم تُقل عرضيًا. بل تكرّرت، وبأكثر من صيغة، وكأنها خلاصة موقف سياسي واضح: لا إصلاح من دون سيطرة الدولة على شرايينها الحيوية. فحين يفقد المرفأ وظيفته كمنشأة عامة، يتحوّل إلى مساحة رمادية، تتقاطع فيها التهريبات، والهدر، وشبكات المصالح، وتضيع فيها موارد الخزينة. وقال “يجب أن يكون المرفأ بيد الدولة، فإذا كان كذلك، فإن كل ما يخرج منه يعود إلى الدولة. لقد شهدنا هدرًا في السابق، ولا بدّ من العودة إلى الوضع الطبيعي، أي أن يكون المرفأ تحت سلطة الدولة لا عرضة للسرقة”.
زيارات ميدانية للمساعدة
الهدف من زيارته بحسب ما قال، هو “الاطلاع المباشر” على واقع هذه المؤسسات، وفهم أين يمكن للمساعدة الأميركية أن تكون أكثر فاعلية، وكيف، وبأي سرعة.
اللافت في هذا الخطاب أنه يتجاوز اللغة التقليدية للدعم، نحو مقاربة عملية: المعاينة أولًا، ثم القرار. “أحاول زيارة جميع المناطق والمرافق للاطلاع على واقعها، وتحديد أين يمكننا تقديم المساعدة، وكيف، وبأي سرعة”.
الدعم الأميركي… مستمر ولكن بشروط
شدّد عيسى على أن الدعم الأميركي للبنان “لم يتوقف أبدًا”، وهو يشمل كل ما تحتاجه الدولة: كهرباء، مياه، مرفأ، جيش. لكن هذا الدعم، كما بدا من مجمل التصريحات، ليس شيكًا على بياض، بل مرتبط بفكرة أساسية: تعزيز قدرة الدولة، وبسط سيطرتها.
” نحن هنا لدعم كل ما نستطيع دعمه، وكل المصالح التي يحتاج إليها لبنان سنعمل على دعمها. “، قال السفير، مؤكدًا أن المساعدة موجّهة لكل لبنان، لا لقطاع أو منطقة. غير أن هذا الدعم يفقد معناه حين تُدار المرافق خارج منطق الدولة، أو حين تتحوّل إلى مصادر هدر بدل أن تكون روافد للخزينة.
“السكانر”… أساس المرفأ
في مرفأ بيروت، توقّف السفير مطولًا عند ملف أجهزة الكشف (السكانر). ملف تقني في ظاهره، لكنه سياسي بامتياز في مضمونه. فبالنسبة إليه، هذه الأجهزة هي الأداة الأساسية لمعرفة ما يدخل إلى المرفأ وما يخرج منه، وضبط أي خروقات محتملة.
“السكانر هي الشغلة الوحيدة اللي بتمشي الأمور بطريقة طبيعية”، قال عيسى، مضيفًا: “إذا ما شفت شو بقلب الصندوق، بيروح وما بتعرف”. قالها بلهجة لبنانية متعمّدة، في محاولة لكسر الحواجز الشكلية.
ما وراء الزيارة
الزيارة في هذا السياق، جاءت لتعزيز الشفافية والحد من التجاوزات، في مرفق لطالما وُصف بأنه محطة للتهريب والاقتصاد الموازي.
في العمق، تعكس زيارة ميشال عيسى إلى مرفأ بيروت مقاربة أميركية قديمة–جديدة: دعم الدولة اللبنانية من بوابة مؤسساتها، لا من خارجها. لكنها تضع في الوقت نفسه كرة المسؤولية في الملعب اللبناني. فالدعم موجود، لكن السؤال هو: هل الدولة قادرة على استعادة دورها؟



