الرئيسية اقتصاد لبنان موسم صور البحري بنصف حركة ما قبل الحرب

موسم صور البحري بنصف حركة ما قبل الحرب

على شاطئ صور، يومان في الأسبوع يحملان عبء موسم كامل. السبت والأحد وحدهما يكسران ركود الخيم التي تبقى، في بقية الأسبوع، شبه خالية، بعدما خسر الموسم شهره الأول بسبب العدوان الإسرائيلي الذي أدّى إلى غياب المغتربين وتراجع أعداد الزوار من خارج الجنوب. وبعد وقف إطلاق النار، بقيت الخروقات والاعتداءات في القرى المقابلة للشاطئ حاضرة في حسابات روّاده. هكذا، تحوّل الصيف الذي كان ينتظره أصحاب نحو 50 خيمة لتحقيق أرباح العام إلى محاولة لتعويض الخسائر، مع تقديرات بانخفاض الحركة بأكثر من 50% مقارنة بمواسم ما قبل الحرب.

في عدد من الخيم، تمرّ أيام الأسبوع بساعات انتظار طويلة لا تكسرها إلا طاولة أو اثنتان. أمّا الإقبال الفعلي، فيتركّز في عطلة نهاية الأسبوع، فيما بقيت الاعتداءات والخروقات على التلال والمناطق المحيطة، ولا سيما في المنصوري ومجدل زون، عاملاً إضافياً في إحجام الزوار عن القدوم أو في تقصير فترة بقائهم على الشاطئ.

يشرح نائب رئيس بلدية صور، علوان شرف الدين، لـ«الأخبار»، أن البلدية باشرت التحضير للموسم فور إعلان الهدنة، وحصلت على الأذونات اللازمة من الوزارات المختصة لتركيب الخيم في محمية صور الطبيعية. إلا أن الانطلاقة تأخرت نحو شهر، إذ بدأ العمل فعلياً مطلع تموز بدلاً من حزيران. وبذلك، «لم يكن الموسم كاملاً، فقد خسرنا شهراً كاملاً»، يقول شرف الدين، فيما غابت أيضاً حركة المغتربين التي كانت تشكّل جزءاً أساسياً من السياحة الصيفية في المدينة.

وعلى الرغم من ذلك، لم يخلُ الشاطئ من الزوار. فقد سجّلت «محمية صور الطبيعية» و«شاطئ الجمل» إقبالاً مقبولاً في عطلة نهاية الأسبوع، غالبيته من أبناء صور والمنطقة، في مقابل تراجع في أعداد الرواد القادمين من خارج الجنوب. وبحسب شرف الدين، لا تصحّ مقارنة الموسم الحالي بمواسم ما قبل الحرب «من ناحية المقوّمات والوقت»، لكن الحركة، قياساً إلى الظروف الأمنية المحيطة بالمدينة والقرى الجنوبية، «كانت لا بأس بها».
وبالتوازي مع إعادة فتح الشاطئ، جهّزت البلدية موقف السيارات بأعمال الجرف والترتيب، ونشرت عناصر من شرطتها للحراسة، فيما تولّت فرق الإنقاذ البحري، عبر زورق تابع للدفاع المدني في البلدية، مراقبة حركة السبّاحين.

يومان لا يكفيان
ما تعتبره البلدية حركة مقبولة قياساً إلى الظروف، يبدو مختلفاً من جهة أصحاب الخيم الذين يعتمدون على أشهر الصيف لتغطية كلفة موسم كامل. رئيس «لجنة البحر» على شاطئ صور وصاحب خيمة «أبو فراس» رقم 13، أبو فراس، يقدّر تراجع الحركة بأكثر من 50%. وبعد نحو 35 عاماً من العمل على الشاطئ، يقول إنه «لم يشهد موسماً راكداً بهذا الشكل». فالخيم، بحسبه، باتت تعوّل على السبت والأحد، فيما لا يتجاوز النشاط في بقية أيام الأسبوع «طاولة واحدة كحد أقصى».

وفاقم تأخر الانطلاقة الخسارة. فالموسم الذي يمتد عادة من حزيران حتى نهاية أيلول فقد شهره الأول بالكامل، فيما يُعدّ أيلول أصلاً ضعيف الحركة في الظروف العادية. لذلك، يقول أبو فراس: «اعتمدنا فعلياً على شهر آب». وفي خيمته وحدها، تراجع عدد العاملين من 5 قبل الحرب إلى 3 اليوم.

يتركّز الإقبال على الخيم البحرية في صور في عطلة نهاية الأسبوع ويؤدّي العدوان على القرى المجاورة في المنصوري ومجدل زون إلى إحجام الزوار عن المجيء

في المقابل، لم تتراجع الالتزامات المالية مع تراجع الزوار. فبدلات إيجار الخيم التي يدفعها أصحابها للبلدية تُحتسب وفق المساحة، بنحو 6 ملايين ليرة للمتر المربع الواحد. وتصل بذلك كلفة الخيمة ذات مساحة ثمانية أمتار إلى نحو 48 مليون ليرة شهرياً، أي ما يقارب 545 دولاراً، فيما تبلغ كلفة خيمة العشرة أمتار نحو 650 دولاراً، وتصل كلفة الخيمة الأكبر، بمساحة 12 متراً، إلى نحو 800 دولار.

ولا يقتصر الإنفاق على بدل الإيجار. فارتفاع أسعار المحروقات يرفع كلفة الكهرباء، فيما تُدفع مصاريف المياه سلفاً عن أربعة أشهر بنحو 8 ملايين ليرة. وتسبق الموسم أيضاً أعمال رش الشاطئ ومعالجة الحشرات والكشف على شبكات الصرف الصحي وإصلاحها وجرف موقف السيارات وتهيئته، بالتنسيق بين «لجنة البحر» والبلدية، فيما تتولى سيارة البلدية جمع النفايات يومياً.

الأحد يسدّ خسائر الأسبوع
تظهر معادلة الموسم بوضوح في خيمة «إيمانويللا» رقم 45. صاحبها مارون مارون الذي يقدّر نسبة الحركة في أيام الأسبوع بنحو 10% فقط، بينما يبقى الأحد اليوم الوحيد القادر على تخفيف جزء من الخسائر، إذ تستقبل الخيمة فيه نحو 200 شخص. لكن العدد لا يعني تحقيق ربح: «ما يدخل يوم الأحد يذهب لتغطية خسارة باقي الأسبوع».

حتى سلوك الزبائن تغيّر، يقول مارون. فمن كانوا يمضون ساعات طويلة على الشاطئ باتوا، بحسبه، يكتفون بساعة أو ساعتين ويغادرون باكراً خشية التطورات الأمنية. ويربط مارون ذلك بتراجع حضور الزوار من خارج المنطقة. فمعظم رواد الشاطئ اليوم من أبناء صور والجوار، فيما تراجع القادمون من بيروت والنبطية، إلى جانب الغياب شبه الكامل للمغتربين. وحتى من يصل بحثاً عن بعض الراحة، يقول مارون، «سرعان ما تخطف راحته الخروقات والتفجيرات» المسموعة في المناطق المقابلة للشاطئ، ولا سيما المنصوري ومجدل زون. لذلك، يصف الموسم بأنه «صمود أكثر منه عملاً».

الصورة نفسها، وإن بنسب متفاوتة، تتكرر في خيمة «النجوم» رقم 25. صاحبها محمد القرى، الذي يعمل على الشاطئ منذ 31 عاماً ويدير خيمته كمشروع عائلي، يقدّر تراجع العمل بنحو 35%. وكانت الخيمة تعتمد سابقاً على زبائن من البقاع والنبطية وصولاً إلى جونية، إلى جانب المغتربين، فيما بات الاعتماد اليوم بصورة أساسية على سكان قرى صور.
وتراجع النشاط انعكس أيضاً على حجم التجهيزات. فقد نصب القرى هذا الموسم 16 شمسية وطاولة بعدما كان العدد يصل إلى نحو 20. كذلك، عدّل أسعار الطاولات لمواكبة ارتفاع التكاليف، فارتفع سعر الطاولة الصغيرة من 600 ألف ليرة إلى ما يعادل 10 دولارات، والكبيرة من 15 إلى 20 دولاراً. فالحركة تتراجع، لكن كلفة التشغيل لا تنخفض بالوتيرة نفسها.

أمّا في خيمة «الوئام» رقم 27، فتبدو الفجوة أكبر، إذ يقدّر صاحبها الحركة الحالية بنحو ربع ما كانت عليه في المواسم العادية، حين كان شاطئ صور يستقبل يومياً أعداداً كبيرة من صيدا وبيروت والنبطية. اليوم، أدّى نزوح جزء من سكان النبطية، إلى جانب مخاوف القادمين من صيدا وبيروت من الوضع الأمني والتفجيرات في المناطق المقابلة للشاطئ، إلى تقليص قاعدة الزبائن بصورة واضحة.

الركود على شاطئ صور يصرف العمال

لا تنتهي خسائر الموسم عند أبواب الخيم، إذ ينعكس الركود على العمالة. ففي خيمة «الوئام»، مثلاً، انخفض عدد العاملين من 13 قبل الحرب إلى 4 اليوم. وهو تراجع يكشف جانباً آخر من أثر الموسم الضعيف: كل طاولة فارغة لا تعني إيراداً أقل لصاحب الخيمة فحسب، بل عملاً أقل للعاملين وحركة أضعف في اقتصاد صيفي اعتادت صور أن يتحرّك مع امتلاء شاطئها. وفي خيمة «إيمانويللا» كان يعمل 6 عمال قبل الحرب، أمّا اليوم، فانخفض العدد إلى عامل واحد، ويستعين صاحبها بآخر يوم الأحد فقط.

مصدرجريدة الأخبار - نور محمود
المادة السابقةالعميد موسى كرنيب مُكرّما بحضور حشد دبلوماسي واسع: تكريمي هو وسام شرف لكل عناصر “جهاز أمن السفارات”… علي العبد الله: العميد كرنيب رجل استثنائي في وطن يستحق التضحية
المقالة القادمةكسروان تفرز نفاياتها: المستوعبات رُفعت قبل اكتمال البديل