كان يوماً معتدل الطقس في أواخر شهر سبتمبر في نيويورك، عندما ألمح آندي بورنهام – رئيس وزراء بريطانيا الجديد – لأول مرة إلى خطته لإعادة فتح النقاش في المملكة المتحدة حول ملف “بريكست”، وذلك بعد مرور 10 سنوات على تصويت البلاد لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي.
وفي اجتماع خاص على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أبلغ بورنهام أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بأن المملكة المتحدة مستعدة لإعادة النظر في إقامة علاقات أوثق مع أوروبا، بما في ذلك احتمال الانضمام مجدداً إلى التكتل.
ونقل أشخاص اطلعوا على تفاصيل المحادثات قوله “أعتقد أن الرأي العام في بريطانيا يسبق النخبة السياسية في وستمنستر بمراحل. لست متأكداً إلى أي مدى سأنجح، لكنني سأحاول ردم هذه الفجوة”.
لم يكن أحد يتوقع هذه الخطوة؛ فبعد سنوات من الجمود الذي خيّم على مفاوضات بريكست بين بريطانيا وبروكسل، تجرأ بورنهام على إعادة فتح النقاش بشأن العلاقة مع أوروبا. غير أن قادة الاتحاد الأوروبي يشددون بوضوح على أن أي نقاش حول تعزيز العلاقات سيتم وفق شروطهم هم، وليس شروط المملكة المتحدة.
وبعد أسبوع من اجتماع الأمم المتحدة، قوبل رئيس الوزراء بتصفيق حار عندما صرّح أمام مؤتمر حزب العمال في ليفربول بأنه يرغب في فتح نقاش حول “العلاقة طويلة الأمد” بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك احتمالية الانضمام إلى الاتحاد الجمركي والسوق الموحدة؛ أو بعبارة أخرى – كما قال لاحقاً – إنه سيدرس خيار المضي قدماً في المسار “للنهاية”. “أهلاً بعودتكم”، هكذا قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون -متحولاً إلى اللغة الإنجليزية- خلال مؤتمر صحفي عقده هذا الأسبوع إلى جانب نظيره الإسباني بيدرو سانشيز.
وصرح سانشيز بأن “إسبانيا سترحب بعودة بريطانيا بأذرع مفتوحة”. كما أبدى دبلوماسيون في الاتحاد الأوروبي سعادتهم بالرؤية الاستراتيجية الجديدة التي طرحها بورنهام، حتى وإن كانت الوجهة النهائية لا تزال غير واضحة المعالم.
لكن ماكرون سارع إلى التذكير بأن أوروبا هي من يمسك بزمام الأمور، قائلاً “لا يمكنكم انتقاء ما يعجبكم من حريات الاتحاد، ولا يمكنكم اختيار ما يلائمكم فقط وترك الباقي”، مشيراً إلى أن الخيار الجوهري يظل إما البقاء في الداخل أو الخروج. وأضاف: “إذن، عودوا”.
يبقى أن نرى ما إذا كانت السياسة البريطانية قادرة حقاً على تقبّل حقيقة أن تحسين فرص الوصول إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي سيعني الانفتاح على المزيد من الهجرة من دول الاتحاد، ودفع أموال لخزينة الاتحاد، والعيش في ظل قوانين تُسن خارج أروقة “وستمنستر”. ومع ذلك، فقد نجح رئيس وزراء بريطاني أخيراً في لفت انتباه بروكسل.
وقال مسؤول رفيع المستوى في المفوضية الأوروبية “إنها بمثابة نسمة هواء منعش في نقاش كان راكداً حتى الآن. لكن السؤال الذي تبلغ قيمته مليار يورو هو: هل تستطيع المملكة المتحدة تقبّل المقايضات المترتبة على ذلك؟ على أية حال، يبدو أن بورنهام يمتلك الجرأة الكافية لمعرفة الإجابة”.
وحتى في حال التوصل إلى اتفاق داخلي، سيتعين على بورنهام أيضاً إقناع الاتحاد الأوروبي بجدية نواياه، وذلك في وقت يعيد فيه التكتل الأوروبي النظر في كيفية تقريب شركائه الموثوقين في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة.
قد ترحب بعض الدول الأعضاء بعودة المملكة المتحدة كثقل موازن ليبرالي لفرنسا، إلا أن باريس نفسها تظل حذرة تجاه دولة تميل بطبعها نحو التوجه الأطلسي، والتجارة الحرة، والأنظمة التنظيمية المخففة.
منذ استفتاء “بريكست” عام 2016 الذي أنهى عضوية بريطانيا في النادي الأوروبي -والتي استمرت أربعة عقود- تعاقب رؤساء وزراء من حزبي المحافظين والعمال على وعود بإقامة علاقة انتقائية مع بروكسل، لكن دون نجاح يُذكر. قال بورنهام أمام مؤتمره: “لا يمكنني أن أقول لكم بصدق إن وضعنا الحالي جيد بما يكفي”، مُقرّاً بهدوء بأن محاولة حزب العمال – بعد انتخاب السير كير ستارمر في عام 2024 – للتعامل ببراعة مع خيارات “بريكست” قد اصطدمت بالعقبات ذاتها التي واجهها أسلافه من حزب المحافظين.
وكان ستارمر قد تعهد بأن يعمل حزبه على “إزالة” الحواجز التجارية مع أوروبا، مع التمسك في الوقت ذاته بـ “الخطوط الحمراء” التي شكلت أساس الاتفاق التجاري الذي أبرمه رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون مع بروكسل عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي: عدم العودة إلى السوق الموحدة، أو الاتحاد الجمركي، أو حرية تنقل الأفراد.
غير أن ميشيل بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست)، يحذّر من أن النقاش الجديد لن يختلف جوهرياً عن سابقه، حتى وإن كان المشهد الجيوسياسي في عام 2026 مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل عقد من الزمن.
يقول بارنييه “ثمة أمر مؤكد: كلما زاد تباعد المملكة المتحدة [عن معايير الاتحاد]، زادت صعوبة إعادة الانضمام. لن يكون هناك مجال لانتقاء المزايا؛ فالسوق الموحدة ليست قائمة طعام تختار منها ما تشاء، والحكومة البريطانية تدرك القواعد والشروط تماماً”.
من منظور الكثيرين في الاتحاد الأوروبي، تُعد مواقف العداء التي يبديها الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه أوروبا، والتهديد الروسي، والرغبة في تكتل الديمقراطيات الليبرالية التي تتشارك القيم ذاتها، أسباباً تدفع نحو تقريب بريطانيا من التكتل.
يقول جورج ريكليس، المدير المساعد في مركز السياسات الأوروبية (وهو مركز أبحاث مقره بروكسل ومسؤول سابق في فريق التفاوض التابع للاتحاد الأوروبي بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد) “هناك مبرر استراتيجي قوي لإعادة بريطانيا إلى الحظيرة الأوروبية”.
ويضيف أن قرار المملكة المتحدة بالتخلي عن “خطوطها الحمراء” يفتح الباب أمام “نقاش أكثر جدية حول المصالح المشتركة”، لكنه يحذر من أن “الرغبة في تحقيق تكامل أوثق والاستعداد لإعادة فتح مفاوضات العضوية هما أمران مختلفان تماماً”.



