أفيوني: يستحيل تعويض كل المودعين… هذه هي الحقيقة للأسف!

0

للوزير السابق عادل أفيوني آراء اصلاحية غير تقليدية أجهر بها منذ الأيام الأولى للأزمة، لا سيما في الشأنين المالي والمصرفي. مؤكداً أنها من بديهيات العمل المالي والاستثماري حول العالم، ولا ينفع إنكارها من أحد في لبنان. انه يتحدث عن تجربة، كيف لا وهو مدير ومسؤول مصرفي، وخبير في اقتصادات الأسواق الناشئة وأسواق المال الدولية. وعمل في عدد المصارف الإستثمارية العالمية.

في حوار مع «نداء الوطن»، يجدد طرح «البنك الجيد والبنك السيئ» الذي كان سباقاً إلى وضعه في سلة الحلول الجذرية. ولا يتوانى أفيوني عن تحميل المصارف اللبنانية المسؤولية الأولى عن تبديد أموال المودعين. لكنه يميز بين المودع المدخر العادي وبين المودع الكبير المستثمر المحترف الباحث عن العوائد العالية التي تأتي عادة من المخاطرة العالية. والى جانب حفظ حقوق المودع العادي يضيف ودائع واستثمارات صناديق التقاعد. برأيه، على الدولة أن تلتفت إلى هؤلاء أولاً، وترك معظم البقية بعهدة المصارف المسؤولة عن ضياع ودائعهم. وفي ما يلي نص الحوار:

هل من الممكن الوصول الى حل لإنصاف كل المودعين؟

بداية يجب الاعتراف بان حجم الخسائر أكبر بكثير من ان نستطيع انصاف كل المودعين. هذا هو الواقع المرير، والنكران والتأجيل لهذا الواقع دفعنا ثمنه غالياً جداً، إذ ان الخسائر ليست دفترية، بل هي خسائر فعلية، لأن اموال المودعين انفقتها المصارف في تمويل الدولة والبنك المركزي.

والدولة والبنك المركزي بدورهما أنفقا هذه الاموال وما زالا في سياسات فاشلة ومصاريف هدر وفساد.

وبالتالي، هذه اموال انفقت ولم تعد موجودة ومستحيل تعويضها كلها، او اعادة تكوينها كلها كما ابتدع البعض. إذاً الخسائر حتمية لا مفر منها، وكلما أجلنا الحلول كلما تفاقمت هذه الخسائر.

ونتيجة هذه الخسائر كارثة اجتماعية ومعيشية غير مسبوقة تتمثل بتدمير جزء كبير من مدخرات الشعب اللبناني، وبفقدان مئات الآلاف من اللبنانيين العاملين والمتقاعدين جنى عمرهم.

أمام هذه الكارثة المهولة يجب على الدولة ان تتحمل مسؤولياتها تجاه هؤلاء اللبنانيين المودعين وتعويضهم ما أمكن، والا فنحن سنواجه قنبلة اجتماعية موقوتة هائلة.

هناك حلول علمية وعادلة لتخفيف وطأة الكارثة عن المودعين. وهناك مبادئ اقتصادية مالية واضحة تحترم العدالة الاجتماعية وتتبع التراتبية القانونية لمعالجة مثل هذه الازمات، وكان جديراً تطبيقها منذ اندلاع الأزمة.

ما هي المبادئ الاساسية التي كان يجب اتباعها منذ بداية الأزمة لمعالجة ازمة المصارف والتخفيف من وطأة الكارثة على المودعين؟

اولاً: في مبدأ التعثر السيادي

ان تعثّر الدولة وتعثّر البنك المركزي كان واقعاً لا مفر منه. وهو كان متوقعاً منذ سنوات نظراً لانخفاض التصنيف السيادي الحاد للبنان، وارقام العجز المزدوج المهولة، وارتفاع الفوائد على المخاطر السيادية اللبنانية، وعلى ودائع المصارف… وكلها مؤشرات معروفة ودلالة واضحة على خطر التعثر. هذا التعثّر صار حتمياً بعد ان فشلت وانهارت كل خطط الانقاذ الموعودة، بفعل التعطيل والاستهتار الذي طبع السلطات المتعاقبة، وبعد ان توقفت الاسواق والمستثمرون عن اعادة تمويل ديون الدولة والبنك المركزي وشح تدفق الودائع.

وتعثر الدول في تسديد الديون امر شائع عكس ما يصور البعض. حصل في دول كثيرة أخرى فشلت في ادارة ماليتها، وعجزت عن تمويل ديونها. وسبل معالجته معروفة واساسها التفاوض المنظم وفي اسرع وقت مع الدائنين على اعادة هيكلة الديون وجدولتها للعودة الى وضع مالي مستدام.

واعادة هيكلة الديون السيادية لا تتم عبر الاستيلاء على اصول الدولة، كما لو كانت الدولة او المصرف المركزي شركة خاصة وكما يحلو للبعض في لبنان التصوير والابتكار. فهذه كيانات سيادية لا يتم تصفيتها عند التعثر مثل المؤسسات الخاصة.

ولا يوجد اي منطق مالي او مسوغ قانوني يبرر تحويل اصول الدولة وايراداتها من الموازنة العامة، وتسخيرها لتسديد ديون يملكها اقلية من المستثمرين بدلاً من تسخير الثروة العامة لخدمة كل الشعب اللبناني ولبناء مستقبل مزدهر لأبنائه.

فضلاً عن ان هناك فرقاً شاسعاً ومعروفاً بالقانون وبالعلوم المالية بين الدين المضمون بأصول محددة وعادة يكون عائده منخفض، وبين الدين غير المضمون ولذلك يكون عائده مرتفع. ديون الدولة اللبنانية والبنك المركزي لم تكن مضمونة بأي اصول، ولذلك كانت فوائدها عالية ومخاطرها مرتفعة. فبأي حق يطالب الدائنون بعد التعثر وبعد ان تقاضوا فوائد عالية على سنوات لقاء المخاطر بضمانات جديدة اضافية؟؟

إذا، فكرة استخدام اصول عامة لتسديد ديون الدولة والبنك المركزي من بدايتها كانت هرطقة وبدعة غير منطقية وتضييع وقت. وتنم عن تجاهل صارخ لمبادئ مالية معروفة وعن انانية وإضاعة وقت لتعطيل الحلول. ان اعادة الهيكلة في كل الدول التي تعثرت تتم عبر اقتطاع جزء من الديون وعبر اعادة جدولة زمنية لهذه الديون. هذا مبدأ معروف ومتّبع في كل الحالات المماثلة، الا في لبنان فقد مرت سنتان ونصف مماطلة ومراوغة وتضييع وقت، ولم تنطلق حتى اليوم عجلة التفاوض على اعادة هيكلة الديون العامة.

كان على الدولة ان تفاوض حاملي الديون، ومنها المصارف اللبنانية سريعاً، على اعادة هيكلة عادلة ومنطقية ومنظمة للديون، وهذا ما لم يحصل حتى اليوم. وفي هذه المفاوضات على الدولة ان تساوي بين حاملي اليوروبوند، واغلبهم مؤسسات اجنبية وهم دينوا الدولة مباشرة، وبين حاملي سندات البنك المركزي اي المصارف اللبنانية التي «دينت» البنك المركزي الذي غالباً ما كان ينفق هذا الدين ليحل مكان الدولة. هذه المساواة في اعادة الهيكلة بين ديون الدولة وديون البنك المركزي، لم تتم حتى الآن، هي مبدأ مهم ومن حق المصارف ان تطالب بها. ومن الطبيعي إذاً ان تؤدي اعادة هيكلة الديون بما فيها ديون البنك المركزي الى خسائر جسيمة في ميزانيات المصارف، وهذا هو الثمن الذي تدفعه المصارف اليوم لقاء توظيفاتها المفرطة والمتهورة على سنوات في المخاطر اللبنانية السيادية، بدلاً من ان تركز على مهمتها الاساسية وهي تمويل القطاع الخاص والاقتصاد.

 

ثانياً: في موضوع مسؤولية المصارف:

من البديهي الإقرار ان استثمار المصارف بإفراط في سندات الدولة والبنك المركزي، و هي سندات تصنيفها منخفض جداً وعائداتها عالية جداً، كان مخاطرة بالغة وواضحة بأموال المودعين.

ان خطر تعثّر هذه السندات كان عالياً. والمصارف كانت على علم بهذه المخاطر، وهي قامت بتوظيف اموال المودعين بتهور سعياً وراء الارباح الفاحشة. وتجاهلت مبادئ بديهية في تنويع المحفظة الاستثمارية. ووزّعت هذه المصارف على سنوات ارباحاً عالية على المساهمين ومكافآت طائلة على كبار الموظفين من جرّاء هذه الاستثمارات.

اذاً، كان على هذه المصارف تحمل مسؤولية خياراتها الاستثمارية من بداية الازمة، وهذا من بديهيات مبادئ العمل المصرفي وفي صلب القانون.

سياسة التهرب من المسؤولية والمكابرة ونكران الخسائر التي اتبعتها المصارف من بداية الازمة كانت اكبر مضيعة للوقت. وكلفت البلد والقطاع المصرفي بالتحديد والاقتصاد غالياً، واستنزفت المودعين وكبدتهم خسائر جسيمة لانهم الحلقة الاضعف والاقل قدرة على الصبر والانتظار.

ومن حق المصارف كدائن التفاوض مع الدولة للحد من الخسائر ومن الاقتطاع، والوصول الى اعادة هيكلة ديون الدولة والمركزي بشكل عادل. لكن ليس من حقها ان تنكر وتراوغ وتعطل الحلول. وان تأخذ القطاع المصرفي وموظفي القطاع والاقتصاد والمودعين رهينة مصالح خاصة، وتتشبث بمراكز وامتيازات بما ينافي المنطق المالي والاقتصادي.

ثالثا: اعادة هيكلة القطاع المصرفي عبر فصل النشاط التجاري للمصارف عن محفظتها الاستثمارية السيادية:

أكبر خطيئة ارتكبتها المصارف اللبنانية هي انها تحولت عن مهمتها الاساسية والتاريخية، وهي تمويل الاقتصاد ودعم القطاع الخاص ورواد الاعمال بطريقة منتجة ومتنوعة، والاستفادة من تدفق الودائع ومن ثقة المودعين لتحفيز النمو والانتاجية في الاقتصاد. هذه هي رسالة القطاع المصرفي ومهمته الحيوية والتاريخية كعماد من أعمدة الاقتصاد.

لكن المصارف اللبنانية تحولت عن هذه المهمة في السنوات الاخيرة، وانصرفت عوض ذلك الى استقطاب الودائع لتوظيفها في سندات الدولة والبنك المركزي ذات الفوائد العالية. واختارت الحل السهل والمغري والربح السريع. النتيجة كانت ان معظم المصارف تحولت فعلياً من مصرف تجاري يموّل الافراد والقطاع الخاص الى صندوق استثماري ضخم اصوله محصورة بشكل اساسي بسندات الدولة وسندات البنك المركزي. اي اعادة هيكلة سليمة للقطاع المصرفي يجب ان تضع حداً لهذا التحول الذي سخّر المصارف واموال مودعيها لتمويل الدولة وسياسات البنك المركزي. والذي تم بتواطؤ وتشجيع وضغط من السلطات الرقابية والسياسية والمالية. اذاً المبدأ الاساسي لإعادة هيكلة المصارف يجب ان يكون عودة القطاع المصرفي الى دوره التقليدي في تمويل الاقتصاد والقطاع الخاص، وصونه من مخاطر الاستثمار في سندات سيادية وادوات مالية واسواق مالية. هذا المبدأ شائع عالمياً ومعروف، وينص على ان المصرف التجاري الذي يتعامل بأموال المودعين لا يحق له التهور باستثمارات خطيرة، ودوره محصور بعمليات التمويل التجارية التقليدية.

اما الاستثمارات بالمخاطر السيادية والسندات والادوات المالية فهذه مهمة مصارف وصناديق الاستثمار التي تتعامل بأموال مستثمرين محترفين.

هذا المبدأ الاساسي ضربت به المصارف اللبنانية والسلطات الرقابية عرض الحائط، وهذا من أبرز أسباب الازمة المصرفية. وانا اكرر انه لا حل فعلياً ومستداماً لإعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة الثقة به إذا لم نعد الى احترام هذا المبدأ. لذلك انا كنت اقترحت منذ سنتين وفي عدة مقالات سابقة، ولا ازال، اعتماد ما يسمى خطة «البنك الجيد والبنك السيئ» لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

رابعاً: في فلسفة توزيع الخسائر:

منذ اندلاع الأزمة (حوالى 3 سنوات)، ومحاولات المراوغة وتضييع الوقت في عملية تحديد الخسائر وتوزيعها مستمرة، بدلاً من تطبيق مبادئ بديهية في توزيع الخسائر وهي في اساس الاقتصاد الحر وفلسفته، وتحمي المودع اولاً وتحمل المسؤولية للمساهم قبل اي مكون آخر.

إستمرت عملية استنزاف المودعين عبر تضييع الوقت وتقاذف المسؤوليات، وتجاهل قوانين التراتبية المعروفة في اي عملية توزيع خسائر. والنتيجة طبعاً ان المودع، وهو الحلقة الاضعف، يتكبد معظم الخسائر حتى الآن. فمن جهة، اموال المودعين لدى البنك المركزي، وهي ما تبقى من الاحتياط، تشكل منذ ثلاث سنوات المصدر الوحيد لكل حاجات الدولة والمصرف المركزي من العملات الصعبة. والامعان في استنزاف هذا الاحتياط يفاقم الهوة في المصرف المركزي وبالتالي يفاقم خسائر المودعين. ومن جهة أخرى، المودع العادي لا يملك ترف الانتظار ولذلك هو يجد نفسه رهينة تعاميم المصرف المركزي المؤقتة كلما احتاج الى وديعته. وبالتالي يجد نفسه مجبراً على تكبد خسائر كلما سحب جزءاً من وديعته. وطبعاً كلما تكبد المودع خسارة كلما انخفضت خسائر المساهمين وهذا هو الظلم بعينه. هذا الاستنزاف للمودعين قبل المساهمين وصمة عار على جبين القطاع المصرفي سيكون من الصعب محوها!! في ازمة لبنان صار المودع خط الدفاع الاول واول من يتحمل الخسارة وهذا امر غير مسبوق في تاريخ الازمات المالية والمصرفية، وظلم ينافي ابسط مبادئ الاقتصاد الحر والرأسمالية والعدالة. اذاً يجب وقف استنزاف المودعين بخطة اعادة هيكلة جدية يستوعب بموجبها المساهمون الخسائر اولاً وحتى استنفاد الرأسمال والتزاماتهم وبدون اي تشاطر او تلاعب على التراتبية. لكن هذا طبعاً لا يكفي لاستيعاب كل الخسائر نظراً لحجمها الهائل وسيبقى الجزء الاكبر من هذه الخسائر على كاهل المودعين، فكيف نخفف من هذه الكارثة؟ هنا يأتي دور الدولة مجدّداً، وهنا اقتراحي انه بعد ان تتم اعادة هيكلة المصارف، وبعد اتمام عملية توزيع الخسائر حسب مبادئ التراتبية وقوانين التعثر المالي المتبعة، يجب على الدولة ان تتدخل مجدداً عبر خطة دعم للمودعين المستحقين تعالج ازمة المدّخرين من المودعين مباشرة وبدون المرور بالمصارف. لماذا؟ لان الدولة مسؤولة عن تجنب قنبلة اجتماعية ومعيشية رهيبة مصدرها فقدان عشرات الآلاف من العائلات وصناديق التقاعد جنى عمرها. وهذا واجب على الدولة مثل أي من واجبات الدعم الاجتماعي الأخرى.

خامساً: في مبدأ التمييز بين المودعين

مبدأ اساسي يجب ان تتضمنه مثل هذه الخطة لدعم المودعين من قبل الدولة هو مبدأ التمييز بين المودع العادي المدّخر والمستثمر المحترف. المودع العادي مهما كان حجمه، اودع جنى عمره في المصرف، لأنه الملاذ الوحيد لديه وهذه الفئة تضم كذلك الصناديق التقاعدية والنقابية.

‏أما المستثمر المحترف المضارب الذي أودع جزءاً من ثروته في المصارف فكان ذلك سعياً وراء الفوائد العالية وبكامل خياره ودراية للمخاطر. المودع العادي (والصناديق التقاعدية) فقد كل مدّخراته ومحنته قنبلة اجتماعية لا يمكن تجاهلها، لا يجوز ان نعامل هذا المودع مثل اي مستثمر محترف خبير اختار تحويل بعض ثروته الى لبنان للربح السهل أو للتهرّب الضريبي وهو على علم بالمخاطر، او ان نعامله كمؤسسة استثمارية خبيرة أجنبية وظّفت في لبنان جزءاً من محفظتها للمخاطرة. أما المودع المضارب، او المستثمر المحترف او الهارب من الضريبة فهؤلاء حقهم مع المصارف ووديعتهم لدى المصارف ويخضعون لإعادة هيكلة المصارف، ولا مسؤولية للدولة تجاههم. من يجب على الدولة مساعدته فهو المودع اللبناني العادي المدّخر الذي فقد جنى عمره، وصناديق التقاعد التي خسرت اموالها… ‏هذه فئات خيارها الوحيد كان الوديعة في المصرف. خسائرها قنبلة وكارثة اجتماعية عظمى سببها فساد وهدر الدولة وسوء الرقابة وتهور وجشع المصارف، وواجب على الدولة انقاذ هؤلاء المودعين لتلافي الكارثة. وهذا التمييز، عكس ما يصوّره البعض، هو شرعي ودستوري ولا خلل فيه لأنه يتم بعد اعادة الهيكلة لا قبلها.

وهو عبارة عن دعم اجتماعي اضافي تقدمه الدولة لفئة معينة من المواطنين المحتاجين. ومن الطبيعي ان تخصصه لمن يستحق وللمحتاج لا للميسور، وهو نفس المبدأ الذي يتم تطبيقه في اي شبكة حماية اجتماعية أخرى مماثلة.

‏اذاً بعد ان تتم اعادة هيكلة المصارف تمنح الدولة دعماً اضافياً من الخزينة مباشرة، لا عبر المصارف، يستفيد منه المودع المدّخر الذي فقد جنى عمره لا المستثمر المحترف المضارب. هذا هو العدل والمنطق لتخفيف الكلفة على الدولة ولتخفيف خسائر المودعين المستحقين.

كيف نميّز بين المودع العادي المدّخر وبين المستثمر المحترف المضارب؟

‏هناك معايير معروفة لتصنيف عملاء المصارف. مثلا، اول معيار هو السرية المصرفية: المودع العادي هو من يوافق على رفع السرية، من يتمسّك بالسرية هو هرّب امواله او اخفاها فلا مسؤولية للدولة تجاهه وحسابه مع المصرف. معيار آخر للتصنيف هو نسبة الوديعة في لبنان نسبة لإجمالي السيولة عالمياً. مثلاً المودع العادي هو من أودع كل جنى عمره في المصرف لأنه ملاذه الوحيد.

‏أما المستثمر المحترف الذي وظّف نسبة صغيرة من محفظته الاستثمارية فقط في المصرف سعياً وراء الربح العالي، فكذلك لا مسؤولية للدولة تجاهه هو مستثمر خاطر وحسابه كذلك مع المصرف.

كيف تساعد الدولة من ميزانيتها مباشرة هذه الفئة من المودعين؟

الحل الأمثل برأيي هو ان تصدر الدولة لهؤلاء المودعين تعويضات إضافية بشكل سندات مشروطة، وهو ما نسميه مثلا contingent debt او convertible bonds ‏اي سندات عائدها مشروط بتحسّن مؤشرات مالية معينة او بتحقيق إيرادات او فائض معين.

‏مثلا يمكن ربط هذه السندات بتحسن النمو او بفائض ايرادات أصول الدولة، او باسترجاع الاموال المنهوبة او بفائض إيرادات الخصخصة إذا حصلت.

‏هذه ادوات كنت قد اقترحت اعتمادها منذ اندلاع الازمة مراراً، لانها تعوض المودعين تدريجياً جزءاً من خسائرهم بدون ان تخلق اعباء غير محمولة على الخزينة. بل بالعكس، هي تخلق ضغطاً سليماً ومحموداً على السلطات لتحسين المالية العامة ولتحفيز النمو والواردات، من اجل زيادة التعويض على مئات الالاف من العائلات.

كيف يمكن اقناع صندوق النقد بضرورة انصاف كبار المودعين؟

الموقف التفاوضي اللبناني يجب ان يحمل لواء الدفاع عن المدخرين اللبنانيين أولاً وفقط، ومنهم مودعون كبار وصناديق تقاعد. للأسف هذا لم يحصل حتى الآن، بل بالعكس تم خلط كل المودعين بدون تمييز او تصنيف.

يجب التركيز على هذه الفئة من المودعين ممن فقد جنى عمره وكل مدخراته كما ذكرت أعلاه، بغض النظر عن حجمه، والتحذير من الكارثة الاجتماعية التي سيؤدي اليها فقدان عشرات المليارات من المدخرات. هذا يجب ان يكون اساس السردية اللبنانية. تمييز هؤلاء المودعين عن المستثمر المحترف او المضارب او المتهرب من الضريبة وتخصيص الدعم للمودع المدخر فقط، مهما كان حجمه، ومباشرة بشكل مساعدة اجتماعية، لا عبر دعم للمصارف او ضمن اطار اعادة الهيكلة، كلها اقتراحات لإقناع الصندوق بوجوب تقديم الدعم الإضافي لفئة معينة من المودعين حتى اذا كانوا من كبار المودعين.

ما رأيك بالافكار المطروحة لصندوق المودعين خصوصاً تخصيص جزء من الفائض الأولي في الموازنة، وجزء من ايرادات الغاز المستقبلية؟

انا ضد التخصيص المطلق وضد تحديد نسبة معينة من أي ايرادات. لكنني كنت اول من اقترح اللجوء الى سندات مشروطة يكون عائدها مرتبط بتحسن مؤشرات معينة او بتحقيق فائض معين وهذا ما شرحته أعلاه علما ان العبرة في كل ما نقترح هي في آلية الاشراف والتنفيذ وتوفر هيئات رقابية نزيهة وشفافة تشرف على هذه العمليات.

ماذا عن رد جزء بالليرة؟

طالمـا الرد هو بالليـرة ويتـم على سعـر اقـل من سعر صرف السوق فهذا عملياً هو اقتطاع وخسارة بإخراج وشكل مختلفين، هو اقتطاع قيمته مرتبطة بسعر الصرف عند التسديد. اما الخطر الأكبر من وراء هذا الخيار فهو انه سيودي الى المزيد من طبع الليرة، وبالتالي الى المزيد من انهيار سعر الصرف والمزيد من التضخم.

إذا هذا الحل عملياً هو خسائر على المودع من وراء الاقتطاع، تليها خسائر على المودع وعلى كل مواطن من وراء انهيار سعر الصرف والتضخم. إذا باختصار حل سيئ على كل الصعد.

إستعادة الثقة بالمصارف؟

كيف يمكن استعادة ثقة المودعين ببنوك لبنان؟ سؤال يرد عليه الوزير أفيوني بذكر المبادئ الآتية:

لا ثقة بأي مصرف بدون:

أولاً، ميزانية شفافة صادقة توافق عليها شركات تدقيق محترمة

ثانياً: إدارة نزيهة ذات سمعة وتاريخ ومصداقية مشهود لها

ثالثاً: هيئات رقابية وناظمة مستقلة وشفافة وصارمة…

ويضيف: «ستستغرق للأسف استعادة الثقة بالقطاع المصرفي في لبنان سنوات وجهود بالغة. وهي لن تحصل بدون إعادة هيكلة جذرية للقطاع كما ذكرت أعلاه بما في ذلك مجالس الإدارة والهيئات الناظمة والرقابية. وربما ستتطلب مصارف جديدة او أسماء جديدة. لكن من الضروري انقاذ القطاع المصرفي في لبنان، لأنه يلعب دوراً حيوياً في تمويل الاقتصاد، ولا نمو بدون مصارف سليمة وفعالة، ولا ننسى الطاقات البشرية الفذة التي يملكها لبنان في هذا القطاع والتي تمثل ميزة تنافسية مهمة».

BAD BANK / GOOD BANK

عن كيفية الفصل بين «البنك الجيد» و»البنك السيئ»، يقول أفيوني ما يلي:

كل مصرف يقوم بفصل نشاطه التجاري التقليدي وهو ما نسميه البنك الجيد، عن محفظته الاستثمارية في المخاطر السيادية اي محفظته من سندات الدولة والبنك المركزي وهي ما نسميها البنك السيئ، وتتم معالجة ميزانية كل جزء على حدة.

فأما النشاط التجاري اي البنك الجيد، فهذا هو نواة قطاع المستقبل. والمصرف الجيد يتم ترشيد ميزانيته واعادة رسملته واطلاقه لاستعادة دوره في تمويل الاقتصاد الفعلي.

واما المحفظة السيادية، اي البنك السيئ، فيتم نقلها الى شركة خاصة خارج المصرف يتملكها المودعون، ليس بديلاً عن ودائعهم وليس بديلاً عن مسؤولية المصارف تجاههم، بل لتعويضهم ما أمكن من خسائرهم وتحسين وضعيتهم. ويتم معالجة هذه المحفظة السيادية، حيث كل السندات المتعثرة، عبر التفاوض مباشرة مع الدولة على اعادة هيكلة للديون عادلة يستفيد منها المودعون اولاً وبطريقة مباشرة لا عبر البنوك.

هذه المنهجية في اعادة هيكلة المصارف لو تم تطبيقها لكان من شأنها إطلاق عجلة القطاع المصرفي سريعاً، واستعادة دوره في تمويل الاقتصاد، وتحسين وضعية المودعين وفرص تعويضهم وتخفيف خسائرهم، ورفع مركزهم في التراتبية المالية لتوزيع الخسائر.

للأسف تجاهل معظم المعنيين هذا الاقتراح، اما عن عدم المام او دفاعاً عن امتيازات. والنتيجة اننا اليوم امام قطاع مصرفي «حي ميت»، فقد كل دور في تمويل الاقتصاد وكل مصداقية لدى المواطنين والمتعاملين ومن الضروري اعادة احيائه لا تصفيته، لإحياء الاقتصاد ولتعويض المودعين.

لا احترام بتاتاً لمبادئ الاقتصاد الحر

عن بعض دروس الأزمة يؤكد عادل أفيوني أنه «وللأسف ثبت في لبنان انه ليس هناك احترام لمبادئ الاقتصاد الحر الاساسية، ولا التزام بأسس العدالة الاجتماعية، ولا سلطات تطبق قيم المسؤولية والنزاهة والمحاسبة والمنافسة والشجاعة بالاعتراف بالخطأ».

ويضيف: «مفهوم الطبقة الحاكمة السياسية والمالية والاقتصادية للاقتصاد الحر هو انهم احرار في تأسيس كارتلات، واحرار في تشكيل احتكارات، واحرار في تحقيق الأرباح الفاحشة، واحرار في التهرب من الخسائر الفادحة، واحرار في تجاهل مبادئ المسؤولية والتراتبية، واحرار في تغليب المصالح الخاصة على المنطق والقانون والعدالة، واحرار في استنزاف الضعيف وحماية القوي».

ماذا قال أفيوني أيضاً؟

كان تعثر الدولة عن السداد متوقعاً منذ سنوات وواقعاً لا محالة…

تحولت البنوك الى صندوق استثماري ضخم معظم أصوله سندات دولة وبنك مركزي.

يجب المساواة في التفاوض بين حاملي اليوروبوندز وحاملي سندات البنك المركزي (شهادات الإيداع) أي المصارف

كانت المصارف على علم بالمخاطر… وظفت أموال المودعين بتهور لتحصد أرباحاً لمساهميها ومكافآت لكبار موظفيها.

ليس من حق المصارف أن تراوغ وتعطل الحلول… وتأخذ القطاع وموظفيه والبلد واقتصاده والمودعين رهينة!

كلما تكبد المودع خسارة كلما انخفضت خسائر مساهمي المصارف… هذا غير مسبوق عالمياً وهو الظلم بعينه.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here