الدفاع المدني: 2500 متطوّع ينتظرون التثبيت والمحروقات على عاتق البلديات…

0

في موسم الأعياد تحية الى من يضع روحه على كفه ليحافظ على أرواحنا وأعيادنا، تحية الى أبطال رفعوا العاصمة المنكوبة على أيديهم حين نادتهم بصوتها الجريح، فدخلوا النار بلا تردّد لإنقاذ من هُم في قلب النار، وحفروا الردم بأظافرهم “لإنقاذ من بقوا أحياء، والتفتيش عن مفقودين ملأت دموع ذويهم الساحات”، تحية الى الدفاع المدني إدارة ورجالاً، الذين على الرغم من كل الصعوبات المادية والظلم اللاحق بهم، استمروا في أداء مهماتهم بشجاعة وتصميم.

شجرة الميلاد التي اعتاد الدفاع المدني ان يرفعها كل عام جاءت مختلفة هذه السنة حملت بدل الأمنيات تضحيات وآلاماً وبدل الفرح بطولات وتحديات. لم تتزين بالأضواء والشرائط كعادتها ولم تزهُ أغصانها ببطاقات المعايدة بل “تزينت بلباس الميدان المكتوي بالنار والتفت بخراطيم المياه التي اخمدت الحرائق وحملت مشاعر محبّي الدفاع المدني عبر سطور أرسلوها خصيصاً لتبقى شاهدة على عواطفهم نحو الأبطال”. شجرة رفعت قريباً من مكان انفجار الرابع من آب لتكون تجسيداً لرسالة أفراد يبذلون “حياة مقابل حياة بلا سؤال ولا تردد”.

في ختام العام أردنا ان نقوم بجردة مع المدير العام للدفاع المدني العميد ريمون خطار لنطلع منه على واقع الدفاع المدني اليوم في ظل الصعوبات المادية التي يعانيها ونسأله عن بطولات سطرت وإنجازات كتبت لتخفف من مصاب بيروت إثر انفجار الرابع من آب..

العميد خطّار

إنفجار الرابع من آب: إنجازات وتضحيات

بداية نسأل العميد خطار كيف كان حضور الدفاع المدني على الأرض بعد انفجار الرابع من آب، فيجيبنا بأنه منذ اللحظات الأولى التي تلت الإنفجار، إستُنفرت مراكز الدفاع المدني المنتشرة على كافة الأراضي اللبنانية، وبدأت بالتوافد الى موقع الانفجار وفقاً لمدى قربها منه جغرافياً، وبالتوازي مع تنسيق المناطق بدأت عمليات إنقاذ الجرحى السطحيين. وخلال وقت قصير استُقدمت التعزيزات من المراكز في مختلف المناطق (صور، البقاع…). وقد تمت معالجة ما يتجاوز الـــ 650 جريحاً في موقع الإنفجار والمناطق المتضررة، ونُقل ما يقارب 310 جرحى ومرضى الى المستشفيات. أما على صعيد الإطفاء فقد تم إخماد 30 حريقاً. وسُجِّل تنفيذ 145 مهمة بحث وإنقاذ. وتم مسح حوالى 173 موقعاً للتفتيش عن مصابين وحتى الساعة لا تزال عمليات البحث والإنقاذ، براً وبحراً، مستمرة ولن تتوقف الا بأمر من قيادة الجيش.

لم يكن سهلاً على الدفاع المدني التعامل مع كارثة بهذا الحجم، فحتى أكبر الدول ترتبك وتتضعضع وتستنفر كل قواها للتعامل مع كوارث كهذه، فكيف استطاع الدفاع المدني تلبية كل المهام التي نتجت عن الانفجار والاستمرار بتلبية مهامه الإنقاذية المعتادة ؟

زيارة ماكرون الأولى

يجيب العميد خطّار قائلاً “إن الكارثة التي أصابت مرفأ بيروت لا يمكن أن تقارن إلا بالكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات نظراً لما خلّفته من أضرار جسيمة بشرية ومادّية وقد كانت الأولى من نوعها التي تمرّ علينا بهذا الحجم، ما استدعى تغييراً في آلية عملنا. لقد أنشأنا غرفة عمليات في موقع الإنفجار حيث تمّت إدارة الإزمة بالتنسيق مع غرفة عمليات الجيش اللبناني. وقد وضعنا خطة لاستقدام العناصر من المراكز بشكل منظم وبأعداد متساوية من مناطق مختلفة ليعملوا وفقاً لنظام المناوبة، ما يؤمّن استمرارية العمل على المرفأ ليلاً نهاراً. وتوازياً استمر العناصر بتلبية المهام الموكلة إليهم في مراكزهم من دون اي تقصير وفقاً للإمكانات المتوافرة. وبالرغم من هول الكارثة فقد تمّت عمليات الإنقاذ بشكل إحترافي بفضل ما يتحلى به عناصر الدفاع المدني من خبرة اكتسبوها على مرّ السنوات الماضية، ومن خلال التنسيق مع قيادة الجيش اللبناني الشريك الدائم في مواجهة الأزمات الكبرى، ومع أجهزة الإغاثة الأخرى التي سبق ان جمعتنا بها برامج تدريبية متعددة ما سهّل عمليتي التواصل والتنسيق خلال الكارثة، وقد اظهر متطوعو الدفاع المدني كفاءة مميزة أذهلت كافة فرق الإغاثة المحلية والأجنبية لا سيّما عند ملاحظة إندفاعهم للعمل في الأماكن الخطرة بطريقة إحترافية”.

لم يمر عمل الدفاع المدني واندفاع رجاله دون لفتات مساعدة من الدول المانحة التي قدرت الجهود الجبارة التي قام بها هؤلاء الأبطال بإمكانيات متواضعة جداً، فتلقت المديرية العامة للدفاع المدني عبر وزارة الخارجية هبة مادية بقيمة مليون دولار اميركي صدر مرسوم قبولها عن مقام مجلس الوزراء، وضِعت في حساب الموازنة العامة. كما قدمت الدولة الفرنسية أربع آليات (2 إسعاف، 2 إطفاء). ومن جهتها خصت قيادة الجيش اللبناني الدفاع المدني بقسم من الهبات التي وردت من جهات دولية مانحة، إضافة إلى هبات متفرقة من جمعيات وأفراد محليين أو لبنانيين مقيمين في الخارج، تنوّعت بين مأكولات جاهزة للعناصر طيلة فترة تواجدهم في المرفأ وفي المناطق المجاورة، ومستلزمات الوقاية من فيروس كورونا، وغيرها من العتاد الفردي الضروري لتنفيذ المهمات، بالإضافة إلى صيانة الآليات وتأمين المحروقات. لكن الاندفاع وحده لا يكفي لإنجاز كل المهمات المطلوبة فالنقص في عديد المتطوعين كما النقص في التمويل والآليات والمعدات مضافاً إلى أزمة المحروقات التي زادت طين المشاكل بلة اثرت كلها على عمل الدفاع المدني وجهوزيته.

إستراحة

فعديد المديرية العامة للدفاع المدني كان في العام 2016 وفق الملاك 658 شخصاً بين موظفين في مقر المديرية العامة الرئيسي وعددهم 80 موظفاً، وبين موظفي المراكز الإقليمية المنتشرة على كل الأراضي اللبنانية وعددها 230 مركزاً. لكن بعد خروج 132 موظفاً منهم بسبب التقاعد، أصبح العدد الباقي تقريباً في حدود 526 موظفاً، معهم 31 متعاقداً. وتبقى مشكلة العديد في انتظار تطبيق قانون تثبيت المتطوعين الذي إن طُبق سيرفع العدد ليصبح قادراً على تلبية المسؤوليات الملقاة على عاتقه. فاليوم ومع نقص العديد فإن الاستناد بشكل مباشر واساسي على جهود آلاف المتطوعين الذين يقدمون من وقتهم قدر المستطاع نظراً لالتزاماتهم الأخرى لتأمين لقمة عيشهم.

نقص العديد يقابله مشكلة العتاد فآليات الدفاع المدني باتت قديمة العهد وتحتاج إلى صيانة دورية وتصليح لتبقى على جهوزية تامة، الأمر الذي يرتّب على الإدارة تكاليف باهظة قد لا تكون دائماً المبالغ متوافرة لها. أزمة عدم توافر المحروقات للآليات التي طرأت مؤخراً شكلت أزمة حقيقية للدفاع المدني على الرغم من عدم خروجها الى الإعلام بشكل كبير. عنها سألنا العميد خطار فأجاب “أنها ازمة مستجدة يعود سببها إلى تعذّر نقل اعتماد من موازنة وزارة الداخلية والبلديات إلى موازنة الجيش اللبناني لتأمين المحروقات عبر المنشآت النفطية وفقاً لطلب الوزير، لأن ذلك يتطلب إصدار قانون يسمح بنقل الإعتمادات اللازمة من وزارة إلى وزارة، علماً أنه تمّ رفع اقتراح مشروع قانون بهذا الصدد.

عندها لجأنا إلى دولة رئيس مجلس الوزراء حسان دياب الذي أعطى تعليماته لتحويل مبلغ 300 مليون ليرة لبنانية على دفعتين من الهيئة العليا للإغاثة إلى قيادة الجيش لزوم تأمين محروقات لآليات الدفاع المدني، إلا أن هذه الكمية قد نفَدت بتاريخ 31/10/2020، الأمر الذي جعلنا نفتقد لهذه المادة الحيوية والأساسية والضرورية لـتأمين تنفيذ المهمات الإنسانية والوطنية، وتجدر الإشارة إلى أنه يجري تأمين المحروقات حالياً بتقديمات من البلديات ضمن نطاقها وبكميات محدودة لتسيير العمل بالإضافة إلى هبة تقدّم بها السيد طلال المقدسي بقيمة 100 مليون ليرة “مرسوم قبول هبة”.

حياة تحت الأنقاض

نقاط مضيئة في درب وعر

رغم الصعوبات تبقى هناك نقاط مضيئة تفرش بالأمل درب الدفاع المدني الوعر. فبعد انفجار الرابع من آب ظهر بوضوح زيادة حماسة الشباب للتطوع في الدفاع المدني. ولكن السؤال الذي يواجه حماسة المتطوعين اي مستقبل ينتظر هؤلاء في ظل أزمة التثبيت المستمرة؟

يؤكد العميد ريمون خطار أنه لا بدّ من التفريق بين موضوع تثبيت المتطوعين المستوفين الشروط المحددة بموجب القانون رقم 289/2014 وبين المتطوعين الشبّان المندفعين للقيام بالواجب الإنساني بكل ما تحمله كلمة تطوع من معنى. فحاملو بطاقة متطوع في الدفاع المدني يبلغ عددهم حوالى الخمسة آلاف وهذا العدد مؤهل للزيادة أو النقصان حسب الإكتفاء بمدة الخدمة وانطلاق الشباب بمسيرتهم المهنية. ومما لا شكّ فيه أنه وبعد انفجار الرابع من آب ازدادت هذه النسبة. ويقول خطار “نحن نطمح لأن يكون كل لبناني متطوعاً في الدفاع المدني لأن هذا التطوع هو شعار الإنسانية والعطاء والتفاني في خدمة الوطن”.

في المرفأ

في المقابل يبقى ملف تثبيت متطوعي الدفاع المدني موضوعاً على الرف في ظل أزمة لبنان المالية الحادة. والعائق الأساسي الذي يحول دون استكماله هو توفير الإعتمادات المالية اللازمة. ثمة حوالى2500 متطوع يستوفون الشروط القانونية المطلوبة لخوض مباريات التثبيت، ونحن، يؤكد العميد خطار، بحاجة إلى 80 مليار ليرة لبنانية تقريباً، للتمكن من تغطية رواتبهم. لقد تم رصد مبلغ 25 مليار ليرة لبنانية من قبل المجلس النيابي ضمن موازنة العام 2020 لهذا الهدف. لكن هذا المبلغ لا يفي بالغرض، ويؤدي إلى إجحاف في حق المتطوعين والإدارة، لأنه لا يغطي إلا نسبة 25% فقط، وهي أقل من الحاجة المطلوبة خاصة وأن القانون حدّد إجراء مباراة وحيدة لمرة واحدة. لذلك ما زلنا نعمل على تأمين الاعتمادات اللازمة تمكيناً من تحقيق الهدف الذي من أجله وضع القانون رقم 289/2014.

بانتظار ان تحل قضيتهم لا يوفّر المتطوعون جهداً لإسماع صوتهم والتذكير بقضيتهم المحقة وإن كانت تحركاتهم تأتي وفقاً لمبادرات فردية يقومون بها إيماناً منهم بالقول “لا يضيع حقّ وراءه مطالب”. ولكن في دولة باتت معظم حقوق مواطنيها مهدورة هل من أمل لمن ينقذون حياة البشر بأن تنقذ الدولة مستقبلهم وتمنحهم حقوقهم المشروعة؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here