الرئيسية اقتصاد دولی الذهب يغيّر قواعد اللعبة… هل بدأت قبضة الدولار على المعدن الأصفر تتراجع؟

الذهب يغيّر قواعد اللعبة… هل بدأت قبضة الدولار على المعدن الأصفر تتراجع؟

لم يعد صعود الذهب مجرد قصة ملاذ آمن يلجأ إليه المستثمرون عند الأزمات، ولا حركة يمكن تفسيرها حصراً بقوة الدولار وأسعار الفائدة الأميركية. فما شهدته الأسواق منذ بداية 2026 يوحي بأن معادلة أكثر تعقيداً تتشكل: عوامل تقليدية لا تزال قادرة على دفع الأسعار صعوداً وهبوطاً، في مقابل قوى هيكلية جديدة تمنح المعدن الأصفر دعماً لم يكن بالزخم نفسه في السابق.

وتكفي حركة الأسعار لإظهار حجم التحول والتقلب معاً. فالذهب سجل مستويات قياسية فوق 5500 دولار للأونصة في كانون الثاني، قبل أن يهبط إلى ما دون 4000 دولار لفترة وجيزة في حزيران، ثم يعاود الصعود. وفي تداولات 31 آب، تحرك قرب 4400 دولار بعد تعرضه لضغوط جديدة مرتبطة بتوقعات ​السياسة النقدية​ الأميركية.

فهل بدأت القواعد التي حكمت العلاقة بين الذهب والدولار تتغير؟

الخبير الاقتصادي ​ميشال فياض​ يؤكد، في حديث إلى “النشرة”، أن الذهب لم يتحرر بالكامل من علاقته التقليدية بالدولار والفائدة. فعلى المدى القصير، لا تزال العلاقة العكسية مع الدولار والعوائد الحقيقية الأميركية “قائمة بوضوح”، وبالتالي فإن قوة العملة الأميركية أو ارتفاع العوائد يبقيان قادرين على الضغط على المعدن الأصفر.

وظهر ذلك بوضوح في تحركات الأيام الأخيرة، بعدما دفعت اللهجة المتشددة لرئيس الاحتياطي الفيدرالي ​كيفن وورش​ في جاكسون هول الأسواق إلى إعادة تقييم مسار الفائدة، فتراجع الذهب رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية.

لكن خلف هذه الحركة اليومية، تظهر معادلة مختلفة على المدى الطويل. فمنذ تجميد الاحتياطيات الروسية عام 2022، اكتسب الذهب أهمية متزايدة بالنسبة إلى ​البنوك المركزية​ كأصل احتياطي “محايد”. ويشرح فياض أنه “ليس ديناً على أي دولة”، ويساعد على تقليص بعض المخاطر المرتبطة بالعقوبات والطرف المقابل وتركيز الاحتياطيات.

وتضاف إلى ذلك المخاوف بشأن المسار المالي وحجم الدين الأميركي. لذلك، لا يرى فياض قطيعة مع القواعد القديمة، بل “تداخل نظامين: نظام دوري تهيمن عليه حركة الدولار والعوائد الحقيقية، ونظام هيكلي تدفعه عملية تنويع الاحتياطيات ومستويات الدين والتشرذم الجيوسياسي”.

البنوك المركزية تعيد رسم المعادلة

وتدعم بيانات ​مجلس الذهب العالمي​ هذه القراءة. فالبنوك المركزية راكمت خلال السنوات الأربع الأخيرة نحو ألف طن من الذهب سنوياً في المتوسط، مقابل نحو 500 طن خلال العقد السابق. وفي الربع الثاني من 2026 وحده، بلغت المشتريات الصافية 289 طناً، أي نحو خمسة أضعاف مستواها في الربع الأول، ومسجلة رقماً قياسياً لفصل ثانٍ.

والاتجاه لا يبدو عابراً. ففي استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2026، الذي شمل 76 مصرفاً مركزياً، توقع 89% ارتفاع ​احتياطيات الذهب​ لدى البنوك المركزية عالمياً خلال الأشهر الـ12 المقبلة، فيما قال مستوى قياسي بلغ 45% إن مؤسساتهم تخطط لزيادة احتياطياتها الخاصة.

هذه الأرقام لا تعني نهاية هيمنة الدولار. ويشدد فياض على أن العملة الأميركية لا تزال مهيمنة على التجارة والتمويل والاحتياطيات الدولية، وأن ما يحصل أقرب إلى “تنويع تدريجي للاحتياطيات” وليس تخلياً مفاجئاً عن الدولار.

​الجغرافيا السياسية​ لا تعني دائماً ارتفاع الذهب

لكن حركة الأسواق الأخيرة أظهرت أن المعادلة التي تربط تلقائياً بين تصاعد الحروب وارتفاع الذهب ليست بهذه البساطة.

فالتوتر الجيوسياسي قد يزيد الطلب على الملاذات الآمنة، لكنه قد يرفع أيضاً أسعار النفط وتوقعات التضخم، ما يدفع الأسواق إلى توقع سياسة أكثر تشدداً من الاحتياطي الفيدرالي. ويختصر فياض هذه المفارقة بالقول إن “الجغرافيا السياسية يمكن أن تدعم المستوى الهيكلي للذهب، لكنها لا تضمن ارتفاع سعره على المدى القصير”.

ويُوضح مجلس الذهب العالمي حجم التقلب، مشيراً إلى أن التقلبات المحققة تجاوزت 50% فيما تجاوزت التقلبات المحققة 50% خلال النصف الأول في إحدى مراحلها.

وفي هذا السياق، تشير مصادر متابعة إلى أن التحولات الحالية لا تعني أن الذهب خرج من دائرة تأثير الدولار والسياسة النقدية الأميركية، لكنها تعكس تغيراً في الوزن النسبي للعوامل التي تتحكم بسعره.

وتوضح المصادر أن المستثمرين باتوا أمام سوق تتحرك على مستويين: الأول قصير الأجل، شديد الحساسية لأي تبدل في توقعات أسعار الفائدة الأميركية وحركة الدولار والعوائد الحقيقية؛ والثاني أطول أجلاً، يستفيد من مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والمالية.

وترى المصادر أن هذا التداخل يفسر جزءاً من التقلبات الحادة التي شهدها الذهب أخيراً، إذ يمكن أن تبقى العوامل الهيكلية الداعمة للمعدن قائمة، فيما يتعرض في الوقت نفسه لتصحيحات قوية بسبب تغير توقعات الاحتياطي الفيدرالي. وتلفت إلى أن بلوغ مستويات قياسية لا يعني بالضرورة استمرار الصعود بالوتيرة نفسها، خصوصًا في سوق باتت شديدة الحساسية للأخبار والبيانات الاقتصادية الأميركية.

إلى أين يتجه الذهب؟

الإجابة لا تبدو محسومة. فوفق مجلس الذهب العالمي، وفي حال عدم حدوث تغير جوهري في الظروف الاقتصادية، يمكن أن يتحرك الذهب ضمن هامش 5% صعوداً أو هبوطاً حول 4100 دولار في النصف الثاني من 2026. أما حدوث صدمة جيوسياسية أو اقتصادية جديدة أو انقلاب في توقعات الفائدة فقد يعيد الأسعار نحو 4500 دولار، وربما بصورة مستدامة باتجاه 5000 دولار.

وفي المقابل، ترى ​UBS​ في أحدث توقعاتها أن الذهب قد يصل إلى نحو 5400 دولار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مستندة إلى استمرار مشتريات البنوك المركزية والطلب الاستثماري والتحولات المرتبطة بالدولار.

أما من اشترى الذهب قبل عام، عندما كانت الأونصة قرب 3400 دولار، فقد حقق عند المستويات الحالية مكاسب تقارب 30% بالدولار. لكن فياض يشدد على أن هذه النتيجة تخفي وراءها مساراً شديد التقلب، بعدما خسر الذهب قرابة 30% من قمته إلى قاع حزيران قبل أن يعاود الصعود.

وهنا ربما تكمن القاعدة الجديدة: الذهب لم ينفصل عن الدولار والفائدة، لكنهما لم يعودا وحدهما في المعادلة. فبين تحولات احتياطيات البنوك المركزية، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية والمالية، وتقلب توقعات السياسة النقدية الأميركية، بات المعدن الأصفر يتحرك وفق موازين أكثر تعقيداً من السابق. وما يوفر له أرضية أقوى على المدى الطويل، لا يمنع في الوقت نفسه تصحيحات حادة ومفاجئة على المدى القصير.

مصدرالنشرة - باسكال أبو نادر
المادة السابقةأسعار القرطاسية والكتب تحتاج إلى قرض مصرفي
المقالة القادمةالغلاء يسبق البرد…والشتاء سيكون قاسيًا