السوق الموازية: الكارتيلات ومصرف لبنان… واللادولة

0

السوق الموازية، أو اقتصاد الظلّ، أو السوق السوداء هي بحسب التعريف العلمي: المكان الذي يتمّ فيه تداول / بيع السلع والخدمات بأسعار غير رسمية، استناداً إلى مدى توافرها والطلب عليها. بشكل عام، تنشأ السوق الموازية بسبب القوانين أو الإجراءات التي تعتمدها الدول، ما «يُشجّع» تداول سلعٍ «غير شرعية»، كالمخدّرات مثلاً. وتلجأ إليها شركات وأفراد هرباً من دفع الضرائب، ما يُنشّط سوق التهريب. شحّ البضائع في السوق في مقابل حاجة المستهلكين إليها، يُعزّز أيضاً التجارة الموازية. في بعض الأحيان، تُصبح السوق الموازية هي المُحرّك الأساسي للاقتصاد، ولا سيّما في غياب الدولة ومؤسساتها الرقابية.

ليست السوق الموازية أمراً جديداً في التجارة، لكنها باتت حاضرة أكثر في يوميات السكّان في لبنان بعد الانهيار، بسبب النقص في المواد الأساسية، في بلدٍ بُني اقتصاده على التبعية للاستيراد، والتفاوت بين السعر الرسمي «المدعوم» على أساس سعر صرف 1507.5 ليرات للدولار، والسعر «المُتحرّر». من هنا، بدأ السكّان يتآلفون مع مصطلح «السوق السوداء»، التي تُمثّل بالنسبة إليهم «مُلتقى» السلع الأساسية غير المتوافرة في مراكز بيعها الأساسية.

بدأت السوق الموازية للعملة نتيجة شحّ الدولار وحالة عدم اليقين التي رافقت انهيار الليرة، معطوفةً على إجراءات المصارف في فرض قيود على التحويلات، ومنع المودعين من الحصول على دولاراتهم. يُدافع عاملون في سوق العملات عنها بأنّها «لو لم تكن موجودة، في ظلّ شحّ الدولار من المصارف ومصرف لبنان، لما كان هناك اقتصاد، فهي العنوان الأول اليوم لكلّ شخص يحتاج إلى النقد»، مُعترفين في الوقت نفسه بأنّ «تعاميم مصرف لبنان هي التي غذّتها». كيف؟ «في المرحلتين اللتين انهارت فيهما الليرة بشكل كبير، أي أواخر سنة 2020 والشهرين الأولين من سنة 2021، كان السبب الرئيسي هجمة المصارف على السوق لشراء الدولارات تنفيذاً للتعميم 154 الذي ألزمها بزيادة سيولتها بالدولار لدى المصارف المراسلة في الخارج بنسبة 3% من قيمة الودائع». إضافةً إلى إجبار «المستوردين على الدفع نقداً لمصرف لبنان حتى يفتح لهم الاعتمادات».

يقول العاملون في «تجارة النقود» إنّ مصادر الدولار في السوق الموازية هي أربعة:

– شركات التحويل المالي غير المصرفية التي تجمع قرابة الـ5 ملايين دولار في اليوم.
– الصرافة «غير الشرعية» ما وراء المحيطات. مثلاً يتفق شخص على تسليم مليار دولار لشخص آخر خارج لبنان، مقابل حصوله على 900 مليون دولار في لبنان نقداً.
– الأوراق النقدية التي تصل بالحقائب، ولا يُمكن تحديد حجمها.
– الدولار النقدي الذي يصل عبر المصارف.

كيف تعمل سوق العملة الموازية؟ توجد ثلاث آليات عمل، الأولى هي استبدال شيك بالليرة بنقد بالليرة (شيك بقيمة 100 مليون ليرة يُساوي 89 مليون ليرة نقداً). كلّ الشركات التي «تقبض رسوماً وتجبي ضرائب عن الدولة وبطاقات التشريج… حقّقت أرباحاً نتيجة هذه العمليات بنسبة 10% عن كل عملية». الآلية الثانية هي المتاجرة بالدولار النقدي، مبيعاً أو شراءً. أما الثالثة، فهي بيع شيكات الدولار المحلّي، والتي وصل سعرها نقداً إلى 17% من قيمتها الاسمية (كل شيك بقيمة 100 ألف دولار يُصرف بـ17 ألف دولار نقداً). هذه السوق لم تخلق أثرياء جدداً، بل ساهمت بمضاعفة ثروات أولئك الذين يملكون النقد.

في عالم يُسيطر عليه الاقتصاد النيوليبرالي و«يُبرّر» سعي الأفراد إلى تعزيز ملكياتهم الفردية ومراكمة أرباحهم على حساب الأكثرية ومن دون إقامة أي اعتبار للمجتمع، يُصبح «طبيعياً» انتشار أعمال «السوق السوداء»، التي تُبيح لغايات ربحية فردية المتاجرة بكلّ شيء، حتى ولو كان وجودها قائماً على ابتزاز الناس بحياتهم. ليس لبنان استثناءً في انتشار التجارة الموازية، وإن باتت «مشهورة» منذ عام 2019، ولكنّها ممتدة منذ سنوات طويلة. تقرير البنك الدولي الصادر سنة 2010، يُشير إلى أن معدّل انتشار السوق الموازية في لبنان منذ عام1999 وحتى عام2007 هو 33%. ما يُحفّز عمليات التخزين والبيع بأسعار غير رسمية، هو عدم عرض كميات كافية في الأسواق والحصار المفروض من مصرف لبنان على فتح اعتماد الاستيراد والضبابية في موضوع رفع الدعم. يقول اقتصاديون إنّه «متى ما انوجدت السوق الموازية يُصبح من الصعب ضبطها، إلا في حال قرّرت الدولة فرض رقابة على السعر والكميات، أي أن تستورد مباشرةً وتؤمّن بيع السلع الحيوية للناس».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here