الصين وروسيا تزعزعان هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي

0

يعمل المسؤولون في الصين وروسيا على رسم ملامح جديدة في التعاملات المالية وبناء الاحتياطات النقدية، بإقصاء الدولار الأميركي من تعاملاتهم.

ومنذ سنوات احتل الدولار مكانة مسيطرة على صعيد الاقتصاد العالمي، وأصبح عملة الاحتياط النقدي لأغلب الدول، حتى تلك التي لا ترتبط بعلاقات ودية مع واشنطن باعتباره عملة التجارة الدولية الأولى.

وبات احتكار واشنطن لدور البنك المركزي العالمي وإغراق العالم بديونها، من أسباب الأزمة المالية العالمية في 2008، وهي تواصل الاقتراض بإيقاع خطير، رغم جبل ديونها المتراكمة، التي لا يمكن السكوت عليها إلى الأبد.

ويبدو أن مكانة الدولار بدأت تهتز في ظل اتجاه العديد من الدول المهمة اقتصاديا وبخاصة روسيا والصين إلى البحث عن عملات بديلة، سواء لاستخدامها في المبادلات التجارية أو تكوين احتياطيات النقد الأجنبي لديها.

وقبل الحرب في أوكرانيا، وتحديدا في يونيو 2021، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع لتجمع دول “بريكس”، الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، إنه “يجري بحث إيجاد عملة للاحتياطي الدولي على أساس سلة عملات دولنا”.

وأطلقت موسكو وبكين محاولة أخرى لتطوير “عملة احتياطي عالمية”. وبحسب المحلل جوردون جي تشانغ في تحليل نشره موقع معهد جيتستون الأميركي للأبحاث، فإن ذلك يعني أن الدولتين بدأتا الهجوم على الدولار الأميركي بالفعل.

وفي مقال نشره موقع “زيرو هيدج” المعني بالموضوعات المالية والذي يسمح للكتاب بنشر مقالاتهم بأسماء مستعارة، قال كاتب أطلق على نفسه اسم “تيلر بوردين” إن “تحديا عالميا منسقا للدولار الأميركي، سيكون أهم خبر في العالم منذ عقود”.

وأضاف “المدهش أننا لا نرى أحدا مهتما بإمكانية حدوث أكبر تحول في الاقتصاد الكلي العالمي خلال نصف قرن”.

ويقول تشانغ أحد كبار زملاء معهد جيتستون الأميركي للأبحاث إن “ثمة دولة وحيدة تستطيع القضاء على الدولار وليست من دول بريكس. إنها الولايات المتحدة، فالرئيس الأميركي جو بايدن هو أكبر حليف لروسيا والصين في محاولة القضاء على الدولار”.

فعملات دول بريكس ضعيفة. ورغم القوة المفاجئة التي أظهرها الروبل الروسي مؤخرا، فهو يبدو في حالة تدهور لا يمكن التراجع عنه على المدى الطويل. علاوة على ذلك، فالعدوان الروسي على أوكرانيا عزز صورة روسيا باعتبارها دولة منبوذة.

أما جنوب أفريقيا فإنها تمضي عكس التيار، والبرازيل تواجه احتمال فوز مرشح اليسار في انتخاباتها الرئاسية المقبلة، وبالتالي لا يمكن التعويل عليها كثيرا.

وبالنسبة إلى الهند فهي قوة اقتصادية، لكنها تبحث عن تعزيز ثرواتها وغير مستعدة للقيادة المالية أو الاقتصادية على الصعيد الدولي. ومعنى ذلك أن نجاح فكرة إيجاد عملة للاحتياطي النقدي لدول بريكس يتوقف على اليوان الصيني.

ويشعر كثيرون بالتفاؤل بشأن مستقبل العملة الصينية المعروفة باسم “العملة الحمراء” في مواجهة الدولار “العملة الخضراء”.

وعلى سبيل المثال يتحدث ديفيد غولدمان عن “الجنوب العالمي” الذي تشكله الصين حاليا، ويقول إن استخدام اليوان سيتزايد في العالم.

ورصدت بكين زيادة في استخدام عملتها في مايو الماضي، عندما شكل حوالي 2.15 في المئة من إجمالي المدفوعات العالمية، بحسب بيانات نظام تسوية المدفوعات العالمي “سويفت”، وهو ما جعل اليوان خامس أنشط العملات في العالم.

وكانت حصة اليوان من المدفوعات العالمية في أبريل الماضي 0.01 في المئة فقط. ومع ذلك فإن الحصة في الشهر التالي كانت أعلى منها في أبريل الماضي عندما بلغت 3.2 في المئة ليكون رابع أنشط عملة في العالم في ذلك الشهر.

وثمة سبب يمنع تحول اليوان إلى عملة دولية بسرعة، وهو عدم سماح الصين بالتحويل الحر لليوان إلى العملات الأخرى.

وفشل قادة الصين باستمرار في جعل عملتهم عملة حرة، فقبل الأزمة المالية الآسيوية عام 1997 تعهدت الصين بتحرير العملة المحلية بنهاية القرن العشرين.

وفي يناير الماضي تعهد يي جانغ، الذي كان يشغل منصب الإدارة العامة للصرف الأجنبي، بتحرير تحويل اليوان إلى العملات الأخرى في الحسابات الرأسمالية خلال خمس سنوات.

ومرت تلك الفترة ومازالت العملة خاضعة لسيطرة الدولة بدرجة كبيرة. ويقول تشانغ إن الصين تحت حكم الحزب الشيوعي لا تستطيع السماح بحرية تحويل اليوان.

وأوضح أن النموذج الاقتصادي للصين يعتمد على توافر النقد الرخيص للمؤسسات والبنوك العامة، والذي يعني خفض البنك المركزي الصيني لأسعار الفائدة على الودائع بشدة.

ورغم أن ثمة قدرة للمودعين على تحويل مدخراتهم من اليوان إلى أي عملة أجنبية أخرى، فستجد البنوك الصينية صعوبة في الاحتفاظ بالودائع دون زيادة أسعار الفائدة.

وفي اللحظة الراهنة يسعى أصحاب السيولة النقدية في الصين إلى إخراج أموالهم من النظام المصرفي الذي يواجه أزمة طاحنة نتيجة عجز العديد من شركات التطوير العقاري الكبرى عن سداد ديونها، وهو ما يمكن أن يهدد بانهيار مالي للبلاد ككل.

وإذا كان الصينيون والروس يسعون إلى ضرب هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي منذ عقود، فإن هناك فرصة حقيقية للنجاح في الوقت الحالي رغم كل شيء.

ويرى تشانغ أن سياسات بايدن الحالية تهدد ثقة العالم في الدولار كعملة احتياطي، والتي يجب أن تكون مستقرة وتعتمد على اقتصاد قوي وكبير، مع حرية تحويلها إلى أي عملة أخرى وضرورة استخدامها على نطاق عالمي واسع. وقال إن “سياسات الإنفاق الجنونية للإدارة الأميركية ستؤدي فيما بعد إلى إضعاف الدولار، وبالتالي يفقد جاذبيته كمخزن للقيمة”.

ويتم تمويل الإنفاق الحكومي عبر الاستدانة، ليصل إجمالي الدين العام الأميركي إلى أكثر من 30.6 تريليون دولار، ولذلك “لا أحد يريد الاحتفاظ بثروته في صورة عملة تتراجع قيمتها باستمرار”.

وعلاوة على ذلك، يدفع الرئيس الأميركي أكبر اقتصاد في العالم نحو دائرة الركود، مع سياساته التي ستؤدي إلى استمرار التدهور.

وبحسب تشانغ، يبدو بايدن كما لو كان يحاول قتل الدولار بسياسات تهدد مكانته كعملة احتياطي عالمية، وهي المكانة التي تمثل “مصلحة أميركية أساسية”.

ويعتقد أنه لا يجب أن يراهن الأميركيون كثيرا على استمرار عملتهم كعملة احتياطي عالمية لعدم وجود بديل قادر على منافستها. وتحاول الصين وروسيا باستمرار إيجاد هذا البديل، ولذلك فهما تضغطان بشدة من أجل تطوير “عملة بريكس” كعملة احتياطي تعتمد على العملات المحلية لدول التجمع.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here