المصارف ذوّبت 45.85 مليار دولار من الودائع

0

على مدى سنتين و11 شهرًا، أي منذ تشرين الأوّل 2019، استمرّت الأزمة المصرفيّة بغياب أي حل أو خطّة متكاملة لمعالجة. ورغم أنّ ترك الأمور متفلّتة على هذا النحو قد يبدو للوهلة الأولى مسألة عبثيّة أو فوضويّة، إلا أن أرقام الميزانيّات المصرفيّة تشير إلى أنّ هذا المسار ساهم وبشكل هادف في تذويب جزء كبير من الودائع المصرفيّة، أي محوها من الميزانيّات، بما أدّى إلى تخلّص المصارف من جزء كبير من إلتزاماتها.

بهذا المعنى، كانت سنوات الانهيار تعيد هندسة الميزانيّات بشكل متدرّج وبطيء، بعمليّات تحمّل كلفة الأزمة للمودع في النهاية. ومع استمرار الأزمة، تستمر المصارف بهذا النوع من العمليّات، التي تمثّل شكلاً من أشكال التصحيح المالي المتدرّج غير المعلن، وغير المنصف بحق المودعين، بدل أن يأتي التصحيح من ضمن خطّة تعافٍ شاملة ومتوازنة وعادلة.

أكثر من 45.85 مليار دولار

تشير ميزانيّات المصارف المجمّعة إلى أن حجم ودائع القطاع الخاص المتبقية في القطاع كان قد بلغ حدود 126.5 مليار دولار، لغاية أواخر شهر تمّوز الماضي، بما يشمل ودائع المقيمين وغير المقيمين، منها نحو 97.21 مليار دولار من الودائع بالعملات الأجنبيّة. وتكفي العودة إلى ميزانيّات الفترة المماثلة تمامًا من العام 2019، أي قبل حدوث الانهيار المصرفي، ليتبيّن أن حجم هذه الودائع كان قد بلغ يومها حدود 172.35 مليار دولار، ما يعني أن 45.85 مليار دولار من ودائع المقيمين وغير المقيمين تم “تذويبها” على مراحل -وبأشكال عديدة- منذ ذلك الوقت. وبصورة أوضح، يمكن القول أن أكثر من ربع الودائع المصرفيّة، التي كانت موجودة قبل الأزمة، تم التخلّص منها منذ تشرين الأوّل 2019.

مع الإشارة إلى أنّ المصارف عمدت في فترات عديدة من العامين 2020 و2021 إلى خلق وبيع دولارات محليّة، أي ودائع مصرفيّة غير طازجة، مقابل دولارات طازجة أتى بها العملاء من السوق. ولهذا السبب، من الأكيد أن حجم الودائع التي تم تذويبها، من حسابات ما قبل تشرين الأوّل 2019، يتجاوز حدود هذا الانخفاض الظاهر في الميزانيّات، إلا أنّ جزءاً من قيمة الودائع التي تم تذويبها -أو بالأحرى التخلّص منها- تمت الاستعاضة عنها بسيولة مصرفيّة قامت المصارف بخلقها وبيعها مقابل الدولارات الطازجة.

طرق تذويب الودائع

عمليّات تذويب الودائع جرت بطرق مختلفة، تمّت جميعها على حساب المودعين في النهاية:

– جزء كبير من الودائع المصرفيّة باعها أصحابها كشيكات مصرفيّة، مقابل دولارات نقديّة مع حسومات كبيرة، أو مقابل عقارات، فيما تم استخدام هذه الشيكات -من قبل المشترين- لسداد قروض. لهذا السبب، بإمكاننا ملاحظة تقلّص القروض المصرفيّة لغاية 20.68 مليار دولار في نهاية تمّوز الماضي، في مقابل نحو 48.4 مليار دولار في الفترة المماثلة من العام 2019.

– الجزء الآخر من الودائع المصرفيّة تم تذويبه عبر عمليّات تحويل الدولارات المحليّة (اللولار) إلى الليرة اللبنانيّة، بأسعار صرف مجحفة، وثم سحبها نقدًا حسب تعاميم مصرف لبنان. وهذه العمليّات، حمّلت فوارق سعر الصرف -بين سعر الصرف الرسمي المسجّل في الميزانيّة وسعر صرف السحوبات- لميزانيّة مصرف لبنان، لا المصارف التجاريّة، ما عنى تخلّص المصارف من الودائع من دون تكبّد أي خسارة بالعملة الصعبة أو العملة المحليّة.

– في بداية الأزمة، قام عدد كبير من المصارف بتذويب جزء من الودائع الموجودة لديها عبر السعي لإقناع أصحابها بتحويلها إلى أنواع مختلفة من حسابات الرساميل (أسهم تفضيليّة، مقدمات نقديّة لزيادة رأس المال…إلخ). هذا النوع من العمليّة، شطب جزءاً من الودائع، واستبدلها برساميل، ما رفع المخاطر التي سيتعرّض لها المودع في المستقبل، بمجرّد شطب الرساميل للتعامل مع الخسائر الموجودة حاليًّا في الميزانيّات.

ترشيق الميزانيّات
في الوقت نفسه، تكشف الميزانيّات المصرفيّة أن حجم الموجودات الإجماليّة تراجع تدريجيًّا، من نحو 259.2 مليار دولار في أواخر تمّوز 2019، إلى أقل من 171.3 مليار دولار في أواخر تمّوز الماضي. أي بصورة أوضح، تخلّصت المصارف من نحو 87.9 مليار دولار من موجوداتها بين الفترتين، أو ما يقارب ثلث الموجودات التي كانت في الميزانيّة قبل ثلاث سنوات. وعمليّة الترشيق هذه، جرت أولًا من خلال عمليّة تذويب الودائع نفسها أولًا، ومن خلال تنظيف الميزانيّات من بعض البنود التي تضمّنت توظيفات متبادلة بين المصارف ومصرف لبنان، والتي نتجت عن مرحلة الهندسات الماليّة.

باختصار، ترك الأمور من دون أي إطار صريح ومعلن للحل، توازى طوال السنوات الثلاث الماضي مع عمليّة توزيع ممنهجة للخسائر المصرفيّة، ووفق خطّة مضمرة حمّلت المودع الجزء الأكبر من كلفة الأزمة. وللدلالة على النطاق الواسع الذي شملته هذه العمليّات، تكفي الإشارة إلى أنّها طالت أكثر من ربع الودائع، وثلث الموجودات، ما يمثّل جزءاً وازناً من الميزانيّات المصرفيّة المجمّعة. أما أهم ما في الموضوع، فهو جزء كبير من كلفة التوزيع غير المعلن للخسائر طال أطرافاً أخرى غير المودعين، كقيمة العملة المحليّة التي تحمّلت عبء طبع النقد لسداد الودائع المدولرة بالليرة، أو ميزانيّات مصرف لبنان التي تحمّلت نقل الخسائر المصرفيّة إليها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here