النزوح الثالث: لبنانيون يهربون من حرب اقتصادية إلى وجهات غير مألوفة

0

يواجه لبنان منذ أشهر قليلة موجة هجرة جماعية جديدة تأتي كنتيجة متوقعة للأزمة الاقتصادية الأسوأ في التاريخ المعاصر للبلاد، وتهدد بخسارة الكفاءات الوطنية وزيادة نسب تهرّم المجتمع ومضاعفة مصاعب الدولة. وفي تقرير حديث قال مرصد الأزمة بالجامعة الأميركية في بيروت، الذي تأسس لمتابعة أثر الأزمة الاقتصادية في لبنان، إن مئات الآلاف من اللبنانيين يرحلون في ظاهرة أطلق عليها “النزوح الثالث”.

ووقع النزوح الأول خلال أوائل القرن العشرين عندما تسببت المجاعة والحرب العالمية الأولى في هجرة جماعية والثاني خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي دارت رحاها من 1975 إلى 1990. وقالت علا سيداني، منسقة البرامج في المرصد الأميركي، “خلال الحرب الناس يرحلون إلى أماكن أكثر أمنا. لكن الآن ليس عندنا حرب بالسلاح بل حرب اقتصادية”. وأضافت أن حوالي 300 ألف لبناني هاجروا خلال الموجة الأولى و900 ألف هاجروا في الموجة الثانية خلال الحرب الأهلية. ولا يزال العمل جاريا لجمع أرقام الموجة الثالثة التي تسببت فيها الأزمة الاقتصادية، لكن المؤشرات تشير إلى هجرة العقول.

وقالت سيداني إن ربع القطاع التجاري في البلاد مغلق وإن نحو 100 أستاذ بالجامعة الأميركية في بيروت رحلوا. وتابعت أن كثيرين يرحلون بعد أن تكبدوا خسائر مالية فادحة، لأن مدخرات العمر محتجزة بالمصارف التي حالت بين المودعين وحساباتهم منذ 2019. وأوضحت أنه لن يكون من السهل التغلب على الإحساس بالغدر الذي ارتبط بذلك. وقالت إنها تعتقد أن هذه الهجرة لا رجعة فيها، مشيرة إلى أنه سيتعين على لبنان التصدي لمشاكل ارتفاع أعداد كبار السن بين السكان، إذ يرحل من هم في سن العمل بينما يبقى الكبار.

ويشعر الكثير من اللبنانيين الذين لم تخطر على بالهم نية السفر سابقا بأنهم مضطرون إلى بدء حياة جديدة في مكان آخر.وبعد ثلاثة عقود قضاها رالف خوري (44 عاما) في تدعيم النشاط العقاري الذي ورثه عن والده، وجد نفسه يستعد للرحيل عن بيته الذي يبعد ساعة عن بيروت، لبدء حياة جديدة في بلد لم يدر بخلده أنه سيزوره.. جورجيا. وقال الكهل اللبناني، وهو أب لبنتين، “لو كان هناك أي سبب يدعو إلى الأمل لتراجعت عن هذا القرار على الفور”.

وكان للانهيار الاقتصادي في لبنان على مدار السنوات القليلة الماضية تداعياته على اللبنانيين في صراعهم اليومي مع أزمات نقص الأدوية الأساسية والوقوف لساعات طويلة في طوابير للحصول على الوقود، ومع الضغوط التضخمية التي صاحبت انخفاض قيمة العملة المحلية بنحو 90 في المئة باتت الحياة اليومية مليئة بالصعوبات.

ودفعت قلة فرص العمل الشباب إلى الهجرة، حيث يقدر البنك الدولي أن شخصا من كل خمسة فقد وظيفته منذ خريف الـ2019، وأن 61 في المئة من الشركات في لبنان قلصت موظفيها الثابتين بمعدل 43 في المئة. وتقول مديرية الأمن العام إن طلبات إصدار جوازات السفر بلغت ثمانية آلاف طلب في اليوم، وهو ما يفوق قدرتها التي تستوعب 3500 طلب يوميا. ويقول رمزي الرامي، رئيس دائرة العلاقات العامة بالمديرية، إن الطوابير الطويلة التي تزايدت بشكل ملحوظ في أغسطس ترجع في جانب منها إلى إقبال الطلبة على السفر للدراسة في الخارج قبل بدء السنة الدراسية. وأضاف أن كثيرين ممن يغادرون لبنان من مزدوجي الجنسية الذين يملكون جوازات سفر ثانية أو إقامات في دول أخرى، غير أن هذا ليس هو حال أسرة خوري وأسر كثيرة غيرها.

وانهار النظام المالي اللبناني في 2019 بعد عقود من الفساد والعجز لتدخل البلاد أزمة اقتصادية تفاقمت منذ ذلك الحين، وسط خلافات سياسية وتداعيات جائحة كوفيد – 19 وانفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020، الذي أسفر عن سقوط أكثر من 200 قتيل ودمر مساحات كبيرة من المدينة، وكان القشة الأخيرة بالنسبة لكثيرين. واستكشف خوري جورجيا خلال الصيف مع شقيقه روني، متطلعا إلى اقتصاد ناشئ يستطيع أن يستغل فيه خبراته في المجال العقاري وبدء نشاط جديد من الصفر.

ويحصل اللبنانيون على تأشيرة سياحة لمدة عام لدى الوصول إلى جورجيا، حيث يسهل نسبيا فتح حساب مصرفي وإنشاء شركة بما يمكنهم من الحصول على الإقامة. ويعمل الشقيقان الآن على حزم أمتعتهما للرحيل إلى جورجيا على أمل أن تلحق بهما الأسرتان في غضون عام، وهو قرار مؤلم رغم فرصة الحياة الأفضل. ورغم حاجز اللغة، إذ لا يتكلم أي من الثلاثة اللغة السائدة في جورجيا، فقد قال إن عملية تأسيس المطعم واضحة وإنه يشعر بالاستقرار. وفي حين لم تلح في الأفق أي بوادر جدية لتحسين الوضع الاقتصادي، لا يبدو أيضا أن الطبقة السياسية الحاكمة ترغب فعليا في إجراء إصلاحات تمكن اللبنانيين من حياة كريمة، ومن غير المستبعد أن يخسر لبنان المزيد من أبنائه الباحثين عن فرص لحياة كريمة خارج حدود الوطن.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here