بين إنقاذ ميزانيات الدولة وإنقاذ ميزانيات المصارف

0

بين عبارة «إعادة هيكلة المصارف» وعبارة «إعادة تصحيح المصارف» فارق كبير. الأولى أو إعادة الهيكلة تعني إعادة النظر في بنية المصارف وتكوينها وطرق إدارتها، والفصل في الإدارة بين أصحابها وبين إداراتها التقنية والعلمية في ضوء القوانين والتشريعات المحلية والعالمية والأعراف والمقاييس الدولية. والعبارة الثانية أو «التصحيح» فتعني الحفاظ على البنية المصرفية الحالية وترميم هيكليتها الحاضرة كي تستأنف عملها بالشكل والأسلوب والطريقة التي درجت عليها في الماضي عبر مدّها بالسيولة اللازمة التي هي «بيت القصيد» في كل الجهود «الإنقاذية» الحالية من خلال ما يجري ممارسته على أرض الواقع، ومنها:

١- تحويل (البعض يقول «حرق») ما تبقى من أموال المودعين بالدولار (أو ما يسمى بـ«اللولار») لا سيما الودائع الصغرى والوسطى لدى المصارف بصورة تدريجية عبر صرفها بالمعدل الأدنى ٣٩٠٠ ليرة فقط لكل دولار أي بأقل بنسبة خمسة أضعاف من سعر الصرف الحقيقي في السوق الموازية وربما بأقل بنسبة عشرة أضعاف في حال واصل الدولار مسيرته التصاعدية الى «ما لا تحمد عقباه» من جنون الإرتفاع.

٢- مشاركة أصحاب الودائع الكبرى بالدولار، مع أصحاب المصارف الحاليين، كمساهمين جدد مع الحرص في الوقت نفسه أن لا تكون حصتهم كبيرة إلى الحد الذي يعطيهم حق المشاركة في القرار مع مجالس الإدارت الحالية أو المقبلة، وذلك بعد احتساب أقل ما يمكن من الخسائر على المصارف مقابل خسائر أكبر على الدولة بما في ذلك مصرف لبنان، وإعادة تقييم القروض والموجودات التي لدى المصارف إلى الحد الأقصى الذي يمكن أصحابها الحاليين من الحفاظ على النسبة الأكبر من الرساميل الخاصة وتضخيم قيمة سائر الموجودات بما يبقي سيادة القرار لديهم، مع إكتفاء المساهمين الآخرين بمن فيهم المساهمون الجدد من أصحاب الودائع الكبرى الذين تحوّلت ودائعهم الى أسهم، بالأرباح التي توزع عليهم، ومن ضمن عملية «التصحيح الشكلية» التي اعتمدت بدل «إعادة الهيكلة» الجذرية للجهاز المصرفي في الأساس.

٣- العمل على تأمين مصادر تمويل جديدة للمصارف عبر إنشاء صندوق سيادي يضم بعض أهم موجودات وممتلكات الدولة وأكثرها قيمة وسيولة، واستثمار هذا الصندوق بعائدات تعطى للمصارف تسديدا لما لها على الدولة من التزامات. وبذلك تكون ميزانية الدولة الغارقة الآن في عجز كبير قد ازدادت عجزا بسبب هذا الاقتراح الذي نقل جزءا كبيرا من واردات ميزانياتها الى المصارف، فنكون بذلك أنقذنا المصارف وزدنا في إفلاس الدولة التي ستحاول تجنّب هذا المصير بالمزيد من الضرائب.

فلعلّ وعسى أن تكون كل هذه الوقائع والتوقعات والاحتمالات، وبعضها مشاريع مرسومة أو في فترة التحضير، على إطّلاع تام لدى الحكومة التي يتوزع وزراؤها بين داعم ومؤيد وجاهد في تحقيقها، وأكثرهم في حقائب أقرب إلى القرار الاقتصادي، ووزراء معارضين لها أكثرهم في حقائب بعيدة عن هذا القرار.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here