تحاويل المغتربين سجّلت 23% من الناتج المحلي في 2020.. هل تبقى الأوكسيجين الوحيد للبنانيين؟

0

كثيرة هي التحديات التي يواجهها ​لبنان​ اليوم، وخطيرة تداعياتها على اللبنانيين الذين يعيشون في دوامة من الصراع طمعاً بالبقاء. من هنا، أصبحت الحاجة الى استجابة سريعة وبنّاءة اكثرمن ملّحة.

عدد كبير من البلدان يعتمد في اقتصاده على بعض ​التحويلات​. وفي هذا السياق، توّقع ​البنك الدولي​ تراجع قيمة ​تحويلات المغتربين​ الى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على نحو حاد بحوالي 20% في 2020 بسبب ​الأزمة الاقتصادية​ الناجمة عن جائحة كورونا (كوفيد-19) وتدابير الإغلاق. ويعزوذلك، الذي سيكون أكبر انخفاض في التاريخ الحديث، إلى حد كبير إلى انخفاض أجور ومعدلات توظيف العمالة المهاجرة، وهي شريحة معرّضَة لفقدان الوظائف والأجور في أي أزمة اقتصادية في البلد المضيف كأي شريحة أخرى.

ومن المتوقع أن تنخفض التحويلات إلى البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل بنسبة 19.7% لتصل إلى 445 مليار دولار، مما يمثل خسارة في الموارد ال​مالي​ة المعيشية الأساسية للأسر الضعيفة والأولى بالرعاية.

في 12 كانون الثاني الجاري، وافق البنك الدولي على تقديم مساعدة طارئة للبنان قدرها 246 مليون دولار على شكل تحويلات مالية وخدمات اجتماعية لنحو 786 ألف لبناني يعيشون في ​الفقر​ ويرزحون تحت وطأة أزمتين اقتصادية وصحية خانقتين تشهدهما البلاد.

وبالإضافة إلى ​التحويلات المالية​ المباشرة للأسرالفقيرة، تهدف المساعدة إلى دعم تطوير نظام وطني لشبكات الأمان الاجتماعي لإتاحة استجابة أفضل للأزمات “المتفاقمة وغير المسبوقة” التي تشهدها البلاد، وفق المؤسسة المالية الدولية.

من المعروف ان عدداً كبيراً من ​العائلات اللبنانية​ يعتمد في معيشته على تحويلات من الخارج يرسلها اليها أفراد منها يعملون في بلدان عدة. وتكمن اهمية هذه الأموال الوافدة فضلاً عن كونها تشكّل مورد رزق لشريحة لا يُستهان بها، فإنها تساهم في ضخّ الاموال الجديدة او الطازجة “Fresh money” في السوق اللبناني المتعطّش للعملات.

لطالما شكلت تحويلات اللبنانيين مصدر أساسي لتدفق ​العملات​ الأجنبية إلى البلاد، في ظل تقلص المداخيل السياحية التي كانت تشكّل ما يناهز 20% من الناتج الوطني، وتراجع ​الاستثمارات​ والرساميل الوافدة، يضاف إليها نحو 3 مليارات دولار من الصادرات.

ما هو مدى مطابقة معلومات البنك الدولي على تراجع حجم تحويلات المغتربين الى لبنان في 2020؟ ووفق اي قاعدة ستُبنى عليها في عام 2021؟

غبريل

يلفت كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث والتحاليل الاقتصادية في ​مجموعة بنك بيبلوس​ الدكتور نسيب غبريل إلى أن الارقام الرسمية الصادرة عن مصرف لبنان عن الفصل الاول تشير الى ان قيمة هذه التحويلات كانت بحدود مليار و600 مليون دولار. واستناداً الى هذه الوتيرة يكون الرقم التقديري بحدود 6 مليارات و400 مليون دولار للعام الحالي، علماً أن توّقعات البنك الدولي تلحظ مبلغ 6 مليارات و900 مليون دولار في العام 2020.

وبمعنى آخر، من المتوقع أن تنخفض هذه التحويلات بشكل نسبي قياساً على ما كانت عليه في الأعوام السابقة على عكس التكهنات القائلة أن هذه التحويلات توقفّت علماً انها بلغت 7 مليارات و400 مليون دولار في العام 2019.

أما اسباب هذا التراجع النسبي فهي مرتبطة بدون شك بتداعيات ازمة وباء كورونا على معظم البلدان، وعلى اقتصاداتها.

ويقول غبريل “للاقتصاد”: لم يتلكأ اللبنانيون المقيمون في الخارج في أي مرحلة من تحويل الأموال الى ذويهم في لبنان، خصوصاً بعد الازمات ولاسيما منها ​كارثة​ انفجار مرفأ بيروت في 4 آب المنصرم حيث كثّفوا من حجم ​المساعدات​ كما حجم التحويلات الى ذويهم.

وانطلاقاً من هذه الأرقام و عدد اللبنانيين المقيمين في الداخل يمكن القول أنه سيتم تحويل نحو 1430 دولار لكل لبناني مقيم داخل لبنان في 2020. ولكن هذا لا يعني ذلك ان جميع العائلات او الأفراد في لبنان تصلهم هذه المداخيل .

ولا بد من الإشارة الى أهمية هذا المصدر من الأموال في مساعدة العائلات على مواجهة غلاء الأسعار وتدهوّر الأوضاع المعيشية وارتفاع معدل التضخّم. وهي تكاد تكون المعونة الوحيدة لبعض المواطنين والأسر.

وعن المنصّة المعتمدة لهذه التحاويل في ظل القيود المصرفية المطبّقة يوضح غبريل أنها ما زالت تمّر سواء عن طريق ​المصارف التجارية​ اوعن طريق شركات ​تحويل الاموال​ في لبنان او من خلال المبالغ النقدية التي يحملها معهم زائرون الى لبنان.

وبعد تعميم مصرف لبنان في نيسان الفائت تحت الرقم 13220 الذي طلب بموجبه من المؤسسات غير المصرفية، التي تقوم بعمليات التحاويل النقدية بالوسائل الالكترونية، أن “تسدد قيمة أي تحويل نقدي الكتروني بالعملات الأجنبية وارد إليها من الخارج، بالليرة اللبنانية وفقاً لسعر السوق”، وأن تبيع من الوحدة الخاصة المنشأة في مديرية العمليات النقدية لدى مصرف لبنان، العملات النقدية الأجنبية الناتجة عن العمليات النقدية” طرأ بعض التراجع على حجم التحاويل بواسطة الشركات المعنية بالتعميم ليعود الى مستواه بعد عودة “المركزي” عنه.

ويشير غبريل إلى أن 35% تقريباً من تحويلات المغتربين تصل الى لبنان من خلال المصارف التجارية، و7.25%% عن طريق الأقارب او الأصدقاء القادمين إلى لبنان والذين يحملون المبالغ نقداً معهم، 6،25% عبر شركات التحاويل المالية بالوسائل الالكترونية (OMT). ويضيف ان هذه النسب كانت سائدة قبل اندلاع ​الازمة الاقتصادية​ والمالية في لبنان إذ من المرّجح أن تكون نسبة التحويلات عن طريق الزائرين ارتفعت.

ويشير غبريل الى اهمية رقم هذه التحويلات الذي يوازي ما نسبته 23% من الناتج المحلي في ال2020، مقابل التضخّم وتراجع القدرة الشرائية لدى معظم اللبنانيين. الى جانب كونها تستخدم لأغراض الاستهلاك اليومي ولسد الحاجات.

ويضيف: لا ننسى أن أزمة كورونا هدّدت الكثير من الوظائف في العالم، وليس فقط في الدول التي يقيم فيها لبنانيون مغتربون، ما سبّب تراجعاً في حجم هذه التحويلات.

وعن التخّوف من تأثّر هذه التحويلات باي مسارات تطبيع في المنطقة مع ​اسرائيل​ خصوصًا وان ثمة من يتوّجس من احتمال الاستغناء عن بعض اللبنانيين العاملين في بعض ​الدول العربية​، يستبعد غبريل حدوث ذلك معتبراً أن تداعيات جائحة كورونا هي السبب الأساسي لتراجع تحويلات المغتربين الى لبنان والى غالبية البلدان التي تعتمد على جالياتها في الاغتراب وذلك بسبب تداعيات الجائحة على الحركة الاقتصادية وسوق العمل في معظم البلدان التي يتواجد فيها جاليات لبنانية.

ولفت الى أن مصادر هذه التحاويل قبل اندلاع جائحة كورونا هي كالآتي:

الدول العربية: 43%

دول ​أميركا​ الشمالية : 2.15%

دول ​أوروبا​ الغربية: 7.14%

دول أفريقيا: 2.14%

أستراليا: 5%

أميركا اللاتينية: 7.3%

أوروبا الشرقية: 4.2%

وأكد على عدم الاستسهال في ايجاد مصادر أخرى لإدخال الأموال الى لبنان وضخّ ​السيولة​ المطلوبة في الاسواق بغياب اي مباحثات سريعة وجدية مع ​صندوق النقد الدولي​ ينتج عنها برنامج إصلاحي ينهض بالاقتصاد الوطني ويجذب الاستثمارات.

الأوكسيجين الوحيد

باختصار، تبقى هذه التحاويل الاوكسيجين الوحيد للبنانيين بعد توّقف تدفق رؤوس الأموال الى لبنان، خصوصاً بعد قرار الحكومة بالتعثّر عن تسديد مستحقاتها الخارجية، اذ ان المواطنون يحصدون فشل سلطة سياسية متشبثّة بآرائها وخططها غير المجدية. وهي غير مبالية لأي صرخة ألم من مرض او قهروحزن، أو حتى صوت جوع لأكثر من مواطن مقهور.

لم يعد مستغرباً ان تعرّقل بالتدابير وصول هذا الإنعاش الى شعب يقاوم حتى آخر نفس، فيما البعض يتخّوف من استحالة العيش في لبنان بعد اليوم لمن ليس لديه مصدر مالي يأتيه من الخارج.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here