تعزيز سيولة البنوك يُعيدها إلى “سكّة” العمل المصرفي السليم

0

بطيئةٌ تمر الأيام على المصارف اللبنانية. بعضها “يعيش” من قلة “الموت”. فدورها المحوري في الاقتصاد والمجتمع انحصر منذ نهاية تشرين الأول من العام 2019 بتلبية سحوبات المودعين، التي بدأت بالدولار، ولم تلبث أن تحولت بشكل كامل إلى الليرة اللبنانية. فاستحالت البنوك “صندقجية”، ولم يعد لها أي دور في الإقراض، وتوفير الخدمات المالية للأفراد ومنشآت الأعمال.

الورشة الإصلاحية المنتظرة، والمتمثلة في عملية إعادة الهيكلة الشاملة (تغذية الرساميل وتغطية الخسائر)، ما زالت معلقة. العقبات أمامها كثيرة. فهي وإن كانت بجزء منها رهن قرارات المصارف وخياراتها الفردية، فان تأثير الوضع السياسي العام عليها كبير جداً. بيد انه لم يعد هناك مفر من فتح هذه الورشة ولو بالحد الأدنى، والإنتقال نحو مرحلة جديدة من العمل المصرفي السليم.

نقطة الانطلاق تحديد الخسائر

النائب السابق لحاكم مصرف لبنان د.غسّان العيّاش يعتبر ان “نقطة الإنطلاق يجب أن تكون العودة إلى تحديد خسائر القطاع المصرفي بالاتفاق بين المصارف ومصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف ومدققي الحسابات، وسيكون لصندوق النقد الدولي رأي فيها”. البحث في هذه النقطة المفصلية توقف مع تعليق المفاوضات مع “الصندوق”. حينها أعلنت الحكومة والشركة الاستشارية “لازارد” ان خسائر القطاع المصرفي تبلغ 241 ألف مليار ليرة، في حين كان هناك تقدير آخر للخسائر من قبل لجنة تقصي الحقائق البرلمانية بالتنسيق مع “المركزي” وجمعية المصارف، بان الخسائر تتراوح بين 80 ألف مليار ليرة و 120 ألف مليار. “حسم هذه النقطة الخلافية، يمكّن البنوك من تقدير كمية الرساميل الإضافية التي عليها تأمينها”، يقول العياش. “وعندها بإمكان كل مصرف على حدة أخذ التدابير المناسبة وتقييم قدرته على تأمين متطلبات زيادة رأسماله. إذا لم يستطع أحد أو بعض المصارف تأمين رأس المال المطلوب فقد يلجأ الى الدمج أو البيع”. وبحسب العياش فان “هناك اتصالات تجرى من دون اعلان بين مصرفيين للاتفاق على عمليات بيع واستحواذ، إلا ان الاخبار الايجابية لم تطفُ بعد على السطح بشكل رسمي”. بعد الانتهاء من تحديد الخسائر ورقمنتها يفترض الانتقال إلى الاتفاق على كيفية توزيعها. والسؤال الجوهري هل ستُحمل الخسائر مجتمعة للقطاع المصرفي وتحسم من المساهمين والمودعين أم ان الدولة ستساهم في ردم نسبة من الخسائر التي تسبّبت بها أساسا؟ “هذا ما لا يوجد جواب عليه حتى الآن”، يقول العيّاش. “إلا انه في حال تحميل القطاع المصرفي كامل الخسائر كما كانت تقضي خطة “لازارد”، فإن ذلك سيلحق ضرراً فادحاً بالصناعة المصرفية العريقة في لبنان”.

القدرة على الرسملة الفعلية!

القدرة على تحمل الخسائر بعد توزيعها، تفترض بالمصارف تعزيز رساميلها، وهذا “لن يتم بتلبية المصارف قرار المركزي اعادة الرسملة بنسبة 20 في المئة”، يقول عياش. “فمبلغ 4 مليارات دولار المطلوب تأمينه من المصارف جمعاء لا يشكل فعلياً قيمة وازنة من حجم الخسائر المحققة”. أما الاعتماد على إعادة تقييم الموجودات من أجل زيادة الرساميل وتغطية الخسائر فهي “كمن يضحك على نفسه”، كما يقول. “إلا في حال ترافق هذا الإجراء مع وضع المصارف مبلغاً نقدياً مقابل كل زيادة عن طريق اعادة التقييم. وهذا ما فعلناه في العام 1992 عندما كنت رئيس أول لجنة لزيادة ملاءة المصارف. حينذاك كان مستوى الرساميل في المصارف متدنياً كثيراً وكانت موجوداتها منخفضة بسبب الحرب والتضخم. فأخذنا القرار بالسماح للبنوك بزيادة رساميلها عن طريق اعادة تقييم الموجودات، شرط ان يتم وضع مبلغ نقدي مقابل كل زيادة عن طريق اعادة التقييم. لكن مع الاسف لم يجر وقتها الالتزام بالقرار من قبل المصارف”. وهذا ما يثير المخاوف من ان تعمد المصارف الى زيادة رساميلها دفترياً من دون وجود أي قيم مادية فعلية.

الجهد الفردي

على الرغم من ان حجم التوظيفات المصرفية الهائلة مع الدولة ومصرف لبنان يقلص قدرة المصارف على اجتراح الحلول المفيدة والعملية، فان عياش يرى ان على المصارف البدء بتطبيق نقاط اساسية لتخفيض نفقاتها وزيادة سيولتها ومنها:

– التنسيق والتعاون مع القطاع الخاص من أجل تسديد ديونه مما يزيد السيولة. شرط ان تحافظ المصارف على هذه السيولة ولا تعيد توظيفها من جديد في سندات الخزينة أو غيرها من المشتقات المالية الحكومية.

– إعادة النظر بنفقاتها. خصوصاً ان ميزانياتها محشورة بالكثير من النفقات “الفضفاضة” التي يمكن الإستغناء عنها أو تقليصها.

– تحديد هدف أساس يتمثل في زيادة السيولة.

العمل على هذه الإجراءات يمكّن المصارف من الانطلاق بسرعة وفعالية نحو اعادة الهيكلة فور تشكيل حكومة قادرة وموثوقة. شرط ان تكون الاخيرة تمتلك خطة واضحة للانقاذ، مُوافق عليها من الجهات الخارجية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here