تعويم الليرة.. قرار أم قدر لا بدّ منه؟

قالها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ولو بتأخير 10 سنوات. سيتم فك ارتباط الليرة بالدولار بما يعني «بالعربي المشبرح» ان لا عودة الى سعر 1500 ليرة للدولار وان لا سقوف لتدهور الليرة، التي سيتم تعويمها. وعلى هذا الأساس يفترض بمَن لا يزال يتنكّر للواقع ويصرّ ان ما نمر به «أزمة وبتقطع»، ان يَعي أخيراً انّ «الليرة ليست بخير».

أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في حديثه الأخير الى «فرانس 24» أنّ «عصر تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار انتهى ونتجه نحو تعويم سعر صرف الليرة بعد اتفاق مع صندوق النقد الدولي. فما انعكاس هذه الخطوة على الوضع المالي اللبناني؟ وهل هناك اتجاه لتعويم جزئي او كلي لليرة ؟ وكيف سيكون المشهد اللبناني في المرحلة المقبلة؟

في السياق، يقول الباحث الاقتصادي اندي خليل لـ»الجمهورية» انّ الليرة اللبنانية معوّمة حالياً في السوق السوداء، إنما الفارق بين الآن وما يتحدث عنه الحاكم سلامة انّ التعويم (في حال كان كليّاً) سيُطاول في المرحلة المقبلة كل المرافق، وسيشمل كل الخدمات بحيث يتوقف مصرف لبنان عن اعتماد الـ 1500 ليرة كما يحصل حالياً، ويحجم عن تحديد سعر الدولار مقابل الليرة في أي عملية تحويل، وفي هذه الحال سيتوقف الدعم كلياً وتسعّر الخدمات وفق سعر الدولار في السوق الموازي لتطوى صفحة الـ 1500 ليرة نهائياً.

أمّا في حال اختار المركزي التعويم الجزئي، فبذلك يكون قد حصر الدعم بخدمة واحدة، على سبيل المثال، دعم المحروقات. ويعود للمركزي تحديد السعر الذي سيقدّم الدعم على أساسه، والأكيد انّ هذا السعر لن يكون 1500 ليرة/دولار.

وعن إصرار سلامة على ربط تعويم الليرة ببدء المفاوضات مع صندوق النقد الذي يؤيّد هذه الخطوة يقول خليل: ليست الـ10 مليارات دولار هي أهم ما سيقدّمه صندوق النقد للبنان وفق ما يُشاع، مع العلم انه من الصعب الحصول على هذا المبلغ، إنما الأهم هو الثقة التي اصبحت مفقودة اليوم محلياً ودولياً تجاه الطبقة الحاكمة. واعتبر انّ صندوق النقد هو بمثابة بدء علاج للأزمة التي يمر بها لبنان، مشدداً على انّ تعويم الليرة هو ممر إلزامي من اجل إعادة سوق الصرف الى القطاع المصرفي، لأنه لا يمكن للسوق السوداء ان تحمل هذا المقدار من التحاويل كما هي خطوة أساسية لإخراج البلاد من الأزمة التي تمر فيها، إنما هذا التعويم يجب ان يتم تدريجاً وليس قبل بدء التفاوض مع صندوق النقد، إعادة تكوين الودائع والاتفاق مع الدائنين.

أضاف: يطالب صندوق النقد وقبل تعويم الليرة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي لأنه مُدولَر بنسبة كبيرة أكان من حيث الديون او الودائع. راهناً، هناك أكثر من 80 % من الودائع باللولار (أي الدولار المحلي). والسؤال المطروح هنا هل ستدفع الودائع المدولرة باللولار وفق تسعيرة السوق (بعد تعويم الليرة)؟ اذا حصل هذا الأمر فستحلّ الكارثة لأنه عندها لن تكون هناك سقوف على تسعيرة الليرة، إلّا في حال ترافقت هذه الخطوة مع «الكابيتال كونترول» أي مع تحديد سقوف للسحوبات باللولار. وشرح انّ غياب الكابيتال كونترول عند سحب اللولار في ظل تعويم الليرة سيجعل سعرها بلا سقوف بحيث تصبح قيمتها مع الوقت صفر. ورداً على سؤال، أكد خليل انه لا يمكن تحديد سعر الليرة المتوقع في تلك المرحلة، فكل الاحتمالات واردة، مشدداً على انّ السوق وحده يسعّر العملة وذلك استناداً الى العرض والطلب.

وعن تداعيات التأخير في بدء التفاوض مع صندوق النقد، يقول خليل: كلما تأخر بدء التفاوض كلما زادت خسائرنا وقلّت أموال المركزي من العملات الأجنبية، وكلما أتى تعويم الليرة على سقوف مرتفعة. أضِف الى ذلك من غير المسموح انه حتى اليوم لم تتوقف المصارف اللبنانية عن تحويل الودائع من الليرة اللبنانية الى الدولار، مع علمها انه كلما كان حجم الودائع بالدولار أعلى كلما كانت الخسائر اكبر لأننا في لبنان لا نملك الدولار، فبهذه الطريقة يرتفع حجم دين المصارف من العملة الأجنبية في مقابل تراجع مخزون الدولار لدينا.

كلفة التعويم

من جهة أخرى، لفت خليل الى انّ تعويم الليرة سيتسبّب بخسائر كبيرة للمصرف المركزي، لأنه سبق له أن باع دولارات واشترى فيها ليرات وفق سعر 1500 ليرة، وراهناً، اذا أراد بيع هذه الليرات ليشتري بثمنها دولار وفق تسعيرة 5000 ليرة او غيره فهو يواصل تحمّل الخسائر، وهذا ما سيزيد الفجوة في المركزي من حيث قيمة الخسائر الحقيقية، بما يعني أنّ رأسماله من حيث موجوداته بالليرة ستصبح سلبية اكثر. وتكمن الخطورة في ذلك انه كلما زادت خسائر المركزي كلما طبّع الأموال لتغطيتها من دون أن تقابلها أصول. وبالتالي، متى ارتفعت نسبة التضخّم لن تكون أمامه أي وسيلة لسحب هذه الأموال من السوق، وبالتالي سيفقد السيطرة على الأسعار.

كذلك، عند تعويم الليرة فإنّ أحد هذه الاطراف ستكون خسارته أكبر:

– المودع لأنه يأخذ اللولار بأقل من سعر السوق.

– الموظف الذي يقبض بالليرة اللبنانية وأصبح راتبه بلا قيمة.

فالدولار الذي قاربَ الـ 9000 ليرة في السوق السوداء ما عاد يكفي لشراء الحاجات الأساسية، وهذا السعر يعتبر زهيداً جداً مقارنة مع التدهور الذي سيلحق بالليرة متى جرى تعويمها ورفع الدعم عن كل شيء، ورفع القيود عن السحوبات بالليرة.

وختم خليل: أمامنا على الأقل 10 سنوات من الضياع سيكون فيها لبنان في جحيم، فلا شيء يمكن ان ينقذنا من الفجوة الحاصلة الا اذا امطرت السماء أموالاً.

مهل المصارف

وعن المهل التي أعطاها المركزي للمصارف لرفع رأسمالها وحجم أموالها في المصارف المراسلة، قال: انّ المركزي يحاول مرة جديدة شراء الوقت إذ يستحيل على المصارف ان ترفع من حجم رأسمالها بشكل يمكن ان يخفّف من حجم خسائرها. وغالبية رأسمال المصارف يتكوّن من ودائع لدى مصرف لبنان، لذا لا يمكن للمصارف ان ترفع من رأسمالها بشكل يغطي الخسائر التي ستنجم عن تَعثّر مصرف لبنان والدولة. وحتى لو عمدت المصارف اللبنانية الى بيع فروعها او اصولها في الخارج وإعادة نسب من الأموال التي تم تحويلها الى الخارج إلا انها تبقى غير كافية لأنّ الفجوة كبيرة.

أضاف خليل: من الصعب على لبنان أن ينتقل فجأة الى دولة منتجة فلطالما كان اقتصادنا مبنياً، على الاستيراد من الخارج، واذا أوقفنا ذلك اليوم لن يكون لدينا أي مصدر ثاني للعيش والإنتاج، واذا قررنا ان نغيّر من طريقة عيشنا والانتقال الى بلد منتج فلا نملك البنى التحتية لذلك، اضف انّ الإفلاس ضرب المصارف والمصرف المركزي والدولة والقطاع الخاص، فالكل اقترض من الكل ولا أحد يملك المال.

 

 

المادة السابقةمؤشّر BLOM PMI: تراجع متسارع في نشاط الشركات
المقالة القادمةحب الله: ‏قرار اغلاق المصانع هو جنون واجرام بحق الصناعة والاقتصاد