ثلاثة ألغام تحيط بخطّة الكهرباء: التمويل والهدر والمناقصات

0

ابتداءً من بداية الشهر الحالي، سيكون على الأسر المقيمة تحمّل تعرفة الكهرباء الجديدة بعد زيادتها. وهو ما يُفترض أن يكون بداية الحل الذي يسمح بشراء الفيول لمعامل الكهرباء، ورفع التغذية بعدها إلى مستويات قد تتراوح بين 8 و10 ساعات. لكن جميع المصادر المتابعة للملف ما زالت تصوّب على عدد كبير من الثغرات القادرة على عرقلة كل هذه “الخطّة الطارئة”، التي تقوم على سلسلة من الإجراءات المترابطة، والتي يمكن أن تؤدّي عرقلة أيّ منها إلى عرقلة الخطّة بأسرها. وإذا حصل ذلك، فسنكون أمام السيناريو الذي يخشى منه الجميع اليوم: زيادة التعرفة من دون أن تقترن بزيادة التغذية.

فنجاح الخطّة، واستعمال مردود زيادة التعرفة لشراء الفيول بانتظام، يحتاج إلى علاقة مستدامة مع مصرف لبنان، لتحويل عوائد الجباية من الليرة إلى الدولار وتمويل استيراد الفيول. كما يحتاج إلى إنجاح مسار المناقصات لشراء هذه المادّة، وتقليص معدلات الهدر التقني وغير التقني لضمان تحصيل عائدات الإنتاج. وإشكاليّة الجباية بالتحديد، تبقى اليوم العنصر الأكثر حساسيّة، بالنظر إلى غياب أي داتا أو مسح يسمح بمعرفة قدرة الأسر على تحمّل الفواتير الجديدة، التي ستُضاف إلى اشتراكات المولدات الخاصّة. وفوق كل ذلك، تبقى إشكاليّة إلتزام أصحاب المولّدات بمبدأ العدّدات في جميع المناطق، لتتأكّد من تقليص فواتير هذه المولّدات مع كل زيادة في تغذية مؤسسة كهرباء لبنان، لتمكين الأسر من سداد فواتير المؤسسة.

التعرفة الجديدة

التعرفة الجديدة التي بدأت المؤسسة باعتمادها منذ يومين ستلحظ قيد مبلغ 4.5 دولارات على كل مشترك شهريًّا، ليكون بمثابة بدل تأهيل، وهو ما تقارب قيمته اليوم حدود 135 ألف ليرة لبنانيّة، حسب سعر المنصّة الذي سيتم اعتماده لاستيفاء الرسوم. كما ستلحظ التعرفة قيد 21 سنتًا لكل أمبير بشكل ثابت، كبدل إشتراك، ما ستبلغ قيمته 5.25 دولار أميركي لأصحاب ساعات 25 أمبير الأكثر انتشارًا. وبذلك، سيكون على المشترك تسديد 9.75 دولار أميركي شهريًّا، أو 293,475 ليرة بسعر المنصّة، بمعزل عن قيمة استهلاكه للكهرباء. مع الإشارة إلى أنّ هذه القيمة سترتفع بالليرة بشكل تلقائي مع أي زيادة مستقبليّة في سعر صرف المنصّة.

بالنسبة إلى الشق المتحرّك من التعرفة، سيتم استيفاء 10 سنتات لأوّل 100 كليوواط ساعة من الاستهلاك شهريًّا، و27 سنتًا للاستهلاك الذي سيتجاوز هذا الحد. وبذلك، لن تعمد مؤسسة كهرباء لبنان إلى رفع التعرفة إلى 37 سنتًا كما سرّبت في السابق، إلا أنّ العودة إلى هذا القرار سيظل احتمالًا قائمًا، إذا ما فشلت المؤسسة في التفاهم مع الدولة على سداد فواتير الكهرباء المترتبة على الإدارات الرسميّة والمؤسسات العامّة.

في خلاصة الأمر، وبالنسبة إلى شطور الاستهلاك التي تتراوح بين 100 كيلوواط ساعة و300 كيلوواط ساعة، والتي تمثّل أكثرًا الشطور تأثيرًا على فواتير الأسر المتوسّطة الدخل، سترتفع التعرفة من 55 ليرة لكل كليوواط ساعة كما هو الحال اليوم إلى 8127 ليرة، حسب التعرفة الجديدة وسعر صرف المنصّة الحالي. أمّا شطور الاستهلاك التي تقل عن 100 كليوواط ساعة، الأكثر تأثيرًا على فواتير الأسر الفقيرة والمحدودة الدخل، فسترتفع تعرفتها من 35 ليرة لكل كيلوواط ساعة كما هو الحال اليوم، إلى 3010 ليرة بحسب التعرفة الجديدة وسعر صرف المنصّة الراهن.

تمويل مصرف لبنان

في حال نجحت مؤسسة الكهرباء بتحصيل الفواتير وفق التعرفة الجديدة، ستعمد إلى استعمال هذه الإيرادات لشراء الدولارات التي تحتاجها لاستيراد الفيول، وحسب سعر المنصّة المعتمد لاستيفاء الفواتير أصلًا. وهذه العمليّة ستحتاج إلى علاقة منتظمة مع مصرف لبنان، لشراء الدولارات وفتح الاعتمادات وسداد ثمن الفيول.

المفاوضات الجارية مع مصرف لبنان، والتي يقودها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، أفضت إلى موافقة الحاكم على تأمين التمويل لمؤسسة الكهرباء لمدّة ثلاثة أشهر، تبدأ في الأوّل من كانون الأوّل المقبل، وتنتهي في أواخر شهر شباط، وبواقع 100 مليون دولار شهريًّا (ما يعني أن مصرف لبنان سيؤمّن نحو 300 مليون دولار للخطّة بأسرها). وحسب الاتفاق، سيلتزم مصرف لبنان بيع هذه الدولارات بسعر المنصّة لمؤسسة الكهرباء، مقابل ليرات ورقيّة، على أن يقرر بعد شهر شباط إمكانيّة المضي قدمًا بالاتفاق أو التوقّف عن تأمين الدولارات، “حسب إلتزام مؤسسة الكهرباء بالسداد وفقًا للجدول الذي تم التفاهم عليها”. مع الإشارة إلى أنّ قدرة المؤسسة على الإلتزام بالسداد ترتبط بدورها بإجراءات معيّنة، كمكافحة الهدر وتحصيل الفواتير.

بصورة أوضح، تمويل المصرف المركزي مضمون لغاية أواخر شباط لا أكثر، والاستمرار بتمويل شراء الفيول بعد هذا التاريخ رهن بنجاح مؤسسة الكهرباء بالاختبار خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. وهذا تحديدًا ما يمثّل اللغم الأوّل الذي يمكن أن يطيح بالخطّة بعد أواخر شباط، إذا لم يتم استكمال التفاهم المعقود حاليًّا مع حاكم المصرف المركزي. ولهذه الأسباب تحديدًا اضطرّت وزارة الطاقة لتعديل دفاتر شروط المناقصات المخصصة لاستيراد الفيول، إذ ألغت خيار الالتزام مع الشركات لمدّة ستّة أشهر، لكون تأمين التمويل لغاية هذه الفترة غير مضمون بعد.

ألغام المناقصات والهدر والمولدات الخاصّة

يُضاف إلى هذا اللغم، ألغام مناقصات شراء الفيول، التي حضّرتها وزارة الطاقة والمياه، بما يعطي الشركات خيار تقاضي ثمن الفيول بعد شهر أو ثلاثة أشهر من إتمام الصفقة. لكن حتّى اللحظة، لا يوجد ما يؤشّر إلى اهتمام الشركات العالميّة بهذا النوع من الصفقات غير المضمونة، التي تحمل في طيّاتها مخاطر الدولة اللبنانيّة الائتمانيّة، خلال فترة السماح التي ستسبق سداد المبلغ. ومن هذه الزاوية بالتحديد، يمكن فهم الجهد الذي يضعه وزير الطاقة في الجزائر حاليًّا لإقناع مسؤولي شركة سوناطرك بالعودة إلى العمل مع لبنان، رغم الخلافات القضائيّة العالقة مع الشركة على خلفيّة ملف الفيول المغشوش.

وفي الوقت نفسه، تشير مصادر متابعة للملف إلى أنّ وزارة الطاقة ارتكبت بعض المخالفات بما يخص دفاتر الشروط، وتحديدًا في الجانب المتعلّق بمهل تقديم الطلبات. وهذا النوع من الثغرات، سيعرّض المناقصات نفسها للطعن أولًا، كما سيزيد من انكفاء الشركات الدوليّة عن التقدّم بعروضاتها، خصوصًا بوجود تجارب سابقة عرّضت شركات دوليّة لمخاطر السمعة، بعد تورّطها بصفقات ملغومة داخل السوق اللبنانيّة.

أمّا الإشكاليّة الأهم، فستبقى إمكانيّة الحد من معدلات الهدر التقني وغير التقني، بما يسمح بتحصيل قيمة الفواتير بعد زيادة الإنتاج. فإبقاء معدلات الهدر عند مستويات مرتفعة، ستعني تبديد أي دولارات سيتم منحها للمؤسسة، من دون أن تتم ترجمة زيادة الإنتاج بزيادة قيمة الفواتير المحصّلة. وهذا تحديدًا ما سيعني انقضاء الثلاثة أشهر من دون أن تتمكن المؤسسة من السداد للمصرف المركزي، ما سيفرمل تنفيذ الخطّة بأسرها.

وأخيرًا، تبقى إشكاليّة القدرة على ضبط نشاط أصحاب المولدات الخاصّة، لفرض العمل بالعدّادات بشكل شفّاف مع المشتركين، وهو ما سيسمح للأسر بتحقيق الوفر نتيجة زيادة تغذية مؤسسة كهرباء لبنان، لتمكينهم من سداد التعرفة الجديدة المرتفعة. وحتّى اللحظة، ما زالت نسبة إلتزام أصحاب المولّدات الخاصّة محدودة، نتيجة تداخل مصالح هؤلاء مع المصالح الحزبيّة في المناطق، والتي تحد من قدرة البلديّات وقوى الأمن على التدخّل في هذه المسألة. ببساطة، معالجة هذا الجانب من المشكلة هو ما سيحدد ما إذا كانت الخطّة الجديدة ستصب في صالح المواطن، أو إذا كانت نتيجتها ستقتصر على زيادة فاتورة مؤسسة الكهرباء من دون تقليص فاتورة المولدات الخاصّة.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here