الرئيسية اقتصاد لبنان حين يتواطأ الجميع يدفع المريض الثمن | المستشفيات للجهات الضامنة: لا أموال…...

حين يتواطأ الجميع يدفع المريض الثمن | المستشفيات للجهات الضامنة: لا أموال… لا علاج!

تصرّ المستشفيات الخاصة، في كل مرة تتعثّر فيها في تحصيل مستحقاتها من الجهات الضامنة الرسمية، على تحويل المرضى إلى ورقة ضغط في مواجهة الدولة. هكذا، بنت معادلتها «الذهبية»: «لا أموال، لا علاج»، واضعةً الدولة أمام الخيار الأكثر إيلاماً: صحة المرضى.

وفي أحدث بياناتها، أول من أمس، أمهلت نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة الصناديق الضامنة كافة، بما فيها صناديق الأسلاك العسكرية، حتى نهاية الشهر الجاري لتسديد مستحقاتها، قبل أن تضطر، «آسفة»، إلى مدّ يدها إلى جيوب المرضى. وأعلنت أنها ستتوقف عن استقبال الحالات «الباردة»، وتحصر الاستقبال بالحالات الطارئة، على أن يتحمّل المرضى «الفروقات اللازمة» ابتداءً من تشرين الأول المقبل.

وليست هذه المرة الأولى التي تضع فيها المستشفيات الخاصة حساباتها المالية في مواجهة حق المرضى في العلاج، بل هي نتيجة لمسار بدأ منذ وقت طويل، يوم قبلت الدولة بأن يصبح القطاع الخاص صاحب الدور الأبرز في إدارة القطاع الاستشفائي، في مقابل الامتناع عن تطوير القطاع الاستشفائي الرسمي. ومع مأسسة هذا الواقع، باتت الدولة مُطالبة بتأمين ما تعتبره المستشفيات الخاصة حقوقاً لها، وهي حقوق تضعها النقابة في ثلاث خانات رئيسية:

الأولى، مطالبة الجهات الضامنة كافة بتسديد المستحقات المتوجّبة عليها، والتي تقول النقابة إنها تراكمت على مدى سنوات وتُقدّر بمئات آلاف الدولارات، بحسب نقيب أصحاب المستشفيات الخاصة الدكتور بيار يارد. إلّا أن مهلة الدفع، هذه المرة، ليست مفتوحة، إذ حدّدتها النقابة بنهاية الشهر الجاري، قبل البدء بتطبيق سياستها الجديدة.

والثانية، تعديل التعرفات الاستشفائية ورفع قيمتها بما يتناسب مع الواقع الحالي، «بما يضمن حق المضمون في الوصول إلى تغطية استشفائية كاملة عبر لحظ اعتمادات كافية في موازنة عام 2027».

والثالثة، تتعلق بمبالغ تقول المستشفيات إنها دفعتها عن ضريبة القيمة المُضافة، وتطالب وزارة المالية باستردادها، وتقدّرها بآلاف المليارات، مشيرة إلى أن الدولة توقفت عن تسديدها منذ عام 2021.

تعرف النقابة أن الدولة «ما معها مصاري»، بحسب يارد، إلا أنها ترى أن المشكلة تكمن في ترتيب الأولويات، بحيث يوضع القطاع الصحي في رأس الهرم.

ويبرّر يارد قرار المواجهة بارتفاع الأكلاف التشغيلية في ظل الوضع الاقتصادي الحالي، في مقابل بقاء تعرفات الجهات الضامنة على حالها، و«هذه التعرفات تُفرض علينا فرضاً من دون أن نكون موافقين عليها». ويستعرض الفارق بين ما تتقاضاه المستشفيات من الجهات الضامنة وبين الأكلاف التي تتحملها، مشيراً إلى ارتفاع سعر طن المازوت إلى نحو 1400 دولار، وتجاوز كلفة الصيانة في المستشفيات عتبة الـ100 في المئة، وبلوغ سعر صفيحة البنزين 29 دولاراً، في مقابل غياب الكهرباء الرسمية وغياب القروض والتسهيلات المصرفية.

ويوضح أن «المستشفى الذي كان يصرف بمعدّل 50 ألف دولار من المازوت شهرياً، بات اليوم يصرف 150 ألفاً». كما أن «كل شيء ارتفع سعره، حتى الأكل». ويصف يارد حال المستشفيات اليوم بأنها على «الجنط»، ولذلك تطالب النقابة برفع التعرفات الاستشفائية بنسبة لا تقل عن 40 في المئة في المرحلة الحالية. وشدّد على أن عدم الاستجابة لهذا المطلب لا يهدّد المستشفيات وحدها، بل أيضاً العاملين فيها والخدمات التي تقدّمها وسلامة المرضى. ويقول إن «عدم زيادة رواتب العاملين اليوم يعني أن لا قطاع استشفائياً سيبقى»، ولذلك «ما فينا نكفي هيك». ولفت يارد إلى أن الجهة التي تنقذ المستشفيات اليوم ليست الدولة، بل «ما تدفعه شركات التأمين الخاصة، وهو ضعف ما تدفعه الجهات الضامنة الرسمية».

في المقابل، لا ترى الجهات الضامنة أن إمكاناتها تسمح بتغيير جذري في الوضع القائم. وتستغرب توقيت بيان نقابة المستشفيات، بالتزامن مع اجتماعات اللجنة التي تضم النقابة والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الصحة ومنظمتي الصحة والعمل الدوليتين، والمُكلّفة بإجراء دراسة حول كلفة الأعمال الاستشفائية وتعديل التعرفات.

وتقول مصادر في الصندوق لـ«الأخبار» إن الهدف من هذه الاجتماعات هو الوصول إلى «تعديلات ترضي الأطراف، والوصول إلى نقطة تلاقٍ، إذ ليس من المعقول أن تحلّق المستشفيات على علو 11 ألف قدم، فيما معظم الناس على الأرض».
وتردّ المصادر جزءاً من المشكلة إلى طبيعة القطاع الخاص، باعتباره «قطاع بزنس واستثمار تجاري، وليس مستعداً لقبول أننا دولة فقيرة». ومن هذا المنطلق: «لا يمكن القبول بكل ما يطلبونه. صحيح أن هناك تعرفات تحتاج إلى تعديل، إلا أن هناك تعرفات جيدة وأخرى أكثر من جيدة».

تواطؤ بين المستشفيات والجهات الضامنة
لكنّ المشكلة، وفق مصادر مطّلعة، لا تُختصر في «الحرب الباردة» التي تندلع بين المستشفيات والجهات الضامنة بين حين وآخر، بل تتصل أيضاً بأداء الجهات الضامنة نفسها وبنمط إدارة القطاع الصحي ككل. وتسأل: ماذا يعني أن يُقرّ قانون «الوكالة الوطنية للدواء» على الورق فقط، بينما تصرّ كل جهة ضامنة على الاحتفاظ بصلاحياتها في تحديد التعرفات؟ هذا الإصرار على إبقاء كل جهة ممسكة بصلاحياتها، ولو على حساب المرضى، ساهم في تحويل شبكة المستشفيات الخاصة إلى «أخطبوط». بينما «الأوْلى تطوير القطاع الصحي الرسمي، كما هي الحال في معظم دول العالم، على أن يبقى القطاع الخاص خياراً لمن يرغب في الاستفادة من خدماته. وهو ما لا يحصل ولن يحصل، طالما أن هناك موظفين يتقاضون أموالاً من المستشفيات، كبعض الأطباء المراقبين مثلاً، وجهات ضامنة تمرّر فواتير وهمية لأنها مستفيدة من المستشفيات، فضلاً عن تفاوت كبير في التصريح عن رواتب العاملين بين مستشفى وآخر، تبعاً للانتماءات السياسية والطائفية، بحسب المصادر.

وفي هذا السياق، يورد أحد العاملين سابقاً في تدقيق فواتير المستشفيات مثالاً على ما يصفه بالتواطؤ، مشيراً إلى أنه وجد، في إحدى المرات، فاتورة لمريض تلقّى 12 كيس مصل خلال 24 ساعة، «ومرّت على الجهة الضامنة من دون حتى إبداء ملاحظة أو السؤال»، مؤكداً أن هذه ليست حالة منفردة.

مع ذلك، لا يمكن وضع جميع المستشفيات والجهات الضامنة في سلّة واحدة، بحسب المصادر نفسها. والمطلوب، في رأيها، وجود جهة موضوعية تتولى تحديد التعرفات، وهي، من حيث المبدأ، الوكالة الوطنية المعنية، إذ لا يمكن التعامل مع جميع المستشفيات بالتعرفة نفسها، «فلا يمكن وضع مستشفى يطوّر خدماته بصورة دائمة إلى جانب مستشفى آخر بدائي، ووضع التسعيرة نفسها، وإن كان العمل الطبي هو نفسه». لذلك، يُفترض أن تخضع التعرفات لتدقيق مُسبق يأخذ في الاعتبار مستوى الخدمات وكلفتها، بدلاً من «شلف» التعرفات كما يحصل اليوم.

مصدرجريدة الأخبار - راجانا حمية
المادة السابقةالهيئة الناظمة تحتاج إلى استشاري للقيام بمهامّها! قطاع الاتصالات «بقرة حلوب» مُجدّداً؟
المقالة القادمةتوسيع محطّة حاويات المرفأ: ضغوط سياسية وغياب للشفافية | من قرّر منح CMA – CGM حقّ زيادة الاستثمار؟