الرئيسية اقتصاد لبنان دورة الحياة في الضاحية: «اقتصاد اليوم الواحد»

دورة الحياة في الضاحية: «اقتصاد اليوم الواحد»

لا تزال الحركة التجارية في الضاحية الجنوبية خجولة وبطيئة، الناس لم تطمئن بعد لنهاية الحرب، ويبرز إلى جانب الدمار المنتشر في الشوارع معوقات أخرى للعودة، مثل غياب الكهرباء.

لم تُترجم الهدنة المؤقتة في الضاحية الجنوبية لبيروت حركةً اقتصاديةً مكتملة، بقدر ما أطلقت نمطاً هشّاً من «اقتصاد اليوم الواحد»، حيث تُفتح المحال لا بوصفها استثماراً مؤكداً، بل كمبادرة يحكمها التريّث، هدفها اختبار المزاج العام وتشجيع عودةٍ لا تزال مترددة.

في أحد محال الخرضوات في منطقة معوّض، يختصر صاحب المتجر طبيعة المرحلة. ويقول إن الإقبال يقتصر على «الأشياء البسيطة»، مثل لمبات الإنارة وبعض المستلزمات اليومية، فيما تغيب تماماً أي مؤشرات على انطلاق ورش تصليح جدّية، مضيفاً أن لا أحد يشتري ما يوحي بالاستقرار، بينما تتبدّل حسابات الترميم سريعاً مع ارتفاع الكلفة وتغيّر المواعيد، حتى بات حجز الورش أو حتى ألواح الزجاج يحتاج إلى انتظار طويل وتسعير أعلى مما كان عليه قبل الحرب.

هذا التريّث ينسحب على المحال الأخرى أيضاً. في متجر للبياضات في منطقة الصفير، يقرّ صاحبه بأن فتح المحل لا يستهدف الربح في هذه المرحلة، بل «تشجيع الناس على العودة وتنظيم أمورها»، ويصف ما يقوم به بالمجازفة بعدما بدأ نقل بضاعته من الجبل إلى الضاحية على أمل أن تتحوّل الهدنة إلى فرصة استقرار.

أما في الـ«ميني ماركت»، فتبدو الحركة أكثر وضوحاً من حيث طبيعتها، فالمبيعات تقتصر على مواد التنظيف والمياه، أي ما تحتاجه العائلات ليومٍ واحد تقضيه في منازلها قبل العودة إلى أماكن النزوح. «استهلاك يومي وساعاتي»، كما يصفه صاحب المتجر، حيث لا مكان للتخزين أو الشراء طويل الأمد.

في شارع أبي طالب في منطقة الكفاءات، يختلف المشهد نسبياً، إذ يتحدث صاحب أحد الأفران عن حركة بيع «جيدة»، مستفيداً من وجود ملحمة وسوبرماركت وعدد من المحال في الشارع نفسه، ما يخلق حدّاً أدنى من الدورة التجارية، غير أن هذه الحركة تبقى مرتبطة بيومها لا بما بعدها.

في محل لتعبئة المياه في الكفاءات، يقدّم صاحب العمل نموذجاً آخر من التكيّف، إذ فتح منذ اليوم الثاني للهدنة رغم ضعف الإقبال لتلبية حاجات مؤقتة لزبائن يأتون لتفقد منازلهم وقضاء النهار فيها، مع عودة جزئية لخدمة التوصيل، إلا أن ارتفاع كلفة المياه نفسها إلى جانب كلفة التعبئة والتغليف والنقل يضغط على الأسعار ويقلّص هامش الربح.

في ملحمة في محلة القائم، تبدو الحركة خفيفة لكنها قائمة، إذ يراهن صاحبها على انفراجة قريبة تستدعي الحضور وتشجيع الزبائن، فيما يأتي جزء من الطلب من خارج الضاحية ويحمل بعض السكان مشترياتهم إلى أماكن نزوحهم، أما في سوق اللحوم فيظهر تباين واضح إذ رفع أحد اللحّامين السعر بمقدار مئة ألف ليرة فقط، فيما حافظ جاره الذي يبعده بعشرات الأمتار على السعر القديم عند نحو مليون وأربعمئة ألف ليرة للكيلوغرام.

من جهة ثانية، مخبز «تنور العصر» في الجاموس استأنف نشاطه في اليوم الرابع للهدنة مستفيداً من نمط البيع بالجملة، في محاولة للاستفادة من أي طلب متاح ولو كان محدوداً. وفي محلة الجاموس أيضاً، يختار صاحب محل لبيع مواد التنظيف مساراً أكثر مجازفة، فبدلاً من الاكتفاء بإعادة تأهيل محله المتضرر باشر باستحداث محل جديد قريب منه رغم عدم استقرار الوضع. يطلب من المورّدين بضائع جديدة تباعاً رغم أن حركة البيع شبه معدومة كما يقول، مراهناً على أن التواجد بحد ذاته يشكّل خطوة أولى نحو استعادة الزبائن، فيما يشير إلى أن الأسعار كلها ارتفعت حتى تلك المرتبطة بالبضائع الوطنية التي سجّلت زيادات تتراوح بين 15% و20%، ما يضيف عبئاً إضافياً على أي محاولة لتنشيط السوق.

الكهرباء تعيق العودة إلى الضاحية
في موازاة الحركة التجارية البطيئة، يبرز عامل الكهرباء كعنصر حاسم في هذه الدورة المؤقتة، إذ تسجَّل مفارقة لافتة في تحسّن التغذية من كهرباء الدولة التي باتت شبه مستمرة مقابل تريّث بعض أصحاب المولدات في تشغيلها، والقرار هنا اقتصادي بحت، فتشغيل المولد في مبنى لا يضم سوى شقة أو اثنتين مشغولتين يعني خسارة شبه مؤكدة في ظل ارتفاع أسعار المازوت.

هذا الواقع ينعكس مباشرة على السكان، فأحمد الذي يرغب بالعودة إلى منزله يؤجل قراره بسبب عدم تشغيل المولد وخوفه من انقطاع مفاجئ للكهرباء يخيف الأولاد والزوجة، فيما يوضح ربيع الذي تضرر منزله أن سكان المبنى اتفقوا على تأجيل أي ورشة تصليح إلى ما بعد الهدنة بانتظار وضوح الصورة سواء من حيث الخدمات أو سلامة البنية.

بين هذه النماذج يتشكّل مشهد اقتصادي غير مكتمل، محال تفتح بلا يقين وخدمات تُقدَّم بحدها الأدنى لتتجلى دورة حياة قصيرة تُبنى كل صباح وتتوقف في المساء، إلا أن قراءة التجربة في سياق مع ما أعقب وقف إطلاق النار عام 2024 يكشف أن هذا التريّث نفسه، يعبّر عن اندفاعة مكبوتة وشوق واضح للعودة إلى حياة سابقة متى سمحت الظروف بذلك.

ترميم مؤجل إلى حين!
في ما يخص الترميم، تتجلّى هشاشة «اقتصاد اليوم الواحد» بوضوح أكبر، فصاحب محل ألمنيوم ينهمك في ترتيب متجره لا في العمل، إذ يقول إنه ينتظر ما بعد انتهاء الأيام العشرة ليبدأ باستلام الورش في حال تثبيت وقف إطلاق النار، بينما لم يتلقَّ حتى الآن أي طلب فعلي، مكتفياً بنصح الزبائن بالتريث كي لا يتكبدوا خسائر إضافية، في وقت ارتفعت فيه أسعار الألمنيوم بنحو 20 في المئة ولا يزال سعر الزجاج غير واضح بسبب غياب الطلب.

في هذا السياق، يلفت أحد تجّار بيع النايلون إلى أن الأسعار ارتفعت بنحو 30 في المئة بالفعل، متوقعاً تضاعفها إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، بل وقد يصل الأمر إلى انقطاع البضاعة بالكامل، وهو ما يجعل أي حركة شراء إضافية أكثر تعقيداً في سوق يقوم أساساً على الحد الأدنى من الطلب.

مصدرجريدة الأخبار - أسماء إسماعيل
المادة السابقةارتفاع أسعار تذاكر السفر والخوف من عودة الحرب… يُفرمِلان فورة الحجوزات
المقالة القادمةمعارض السيّارات المستعملة تراجع عددها من ٢٢٠٠ الى أقلّ من ٩٠٠ معرض