زيادة كبيرة بتعرفة الكهرباء: ادفعوا ثمن وعود فارغة

0

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، أي قبل سنة بالتمام والكمال، بدأ اللبنانيون يسمعون وعود رفع التغذية الكهربائيّة إلى حدود 10 أو 12 ساعة في اليوم، في مهلة أقصاها بداية العام الحالي. وكان من المفترض أن لا تتم زيادة التعرفة، إلا بعد تحقيق وعد زيادة التغذية، كي تتمكّن الأسر من سداد التعرفة الجديدة بعد تخفيض فاتورة المولدات الخاصّة. مرّت بداية العام، ومرّ بعدها 10 شهرًا ونصف الشهر، لتختفي التغذية الكهربائيّة كليًّا في بعض أشهر السنة الراهنة، أو تقتصر على ساعة واحدة في النهار في بعضها الآخر، بدل أن تحقق وزارة الطاقة والمياه وعد زيادة التغذية.

لم يكن مفاجئًا أن تسقط خطّة الكهرباء على هذا النحو المُذل، طالما أن القاصي والداني كانا يعلمان أن الخطّة بُنيت على فرضيّات غير واقعيّة، وغابت عنها عناصر لا يمكن أن ينهض القطاع من دونها (راجع المدن). إلا أنّ المفاجأة اليوم تكمن في اتجاه مؤسسة الكهرباء لزيادة التعرفة بدءًا من شهر كانون الأوّل المقبل، مقابل بيع اللبنانيين الأوهام نفسها والوعود الفارغة الواردة في الخطّة، وبناءً على الفرضيّات ذاتها. ما سيعني تحميلهم كلفة هذه الزيادة من دون الاستفادة من أي تحسّن في التغذية.

الزيادة الملتبسة

حتّى اللحظة، ما زالت الزيادة المرتقبة في بداية كانون الأوّل مُحاطة بالعديد من علامات الاستفهام. فقرار مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان يقضي من حيث المبدأ بزيادة التعرفة إلى حدود 10 سنت لأوّل 100 كيلوواط/ساعة، ثم 27 سنتاً لشطور الاستهلاك التي تتجاوز هذا الحد (تتراوح التعرفة بين 0.11 و0.66 سنت حاليًّا حسب سعر الصرف الراهن).

إلا أنّ هذا القرار يشترط أوّلًا أن تسدد الدولة كلفة شراء الفيول العراقي عن الفترة الماضية، والتي تقارب نحو 460 مليون دولار، وفواتير المؤسسات العامّة والإدارات الرسميّة السنويّة، التي تتجاوز حدود 230 مليون دولار. أمّا في حال لم تحقّق الدولة هذا الشرط، فستزداد التعرفة على المواطن بحدود 37 سنتاً للكيلوواط/ساعة، لشطور الاستهلاك التي تتجاوز 100 كيلوواط/ساعة.

من الناحية العمليّة، لا يبدو أن الدولة تملك حاليًّا القدرة على سداد 690 مليون دولار هذه السنة، كما يطلب مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان، لسداد كلفة الفيول العراقي وفواتير المؤسسات والإدارات العامّة. فهذا المبلغ وحده يقارب في الوقت الحالي نصف النفقات المقدّرة في الموازنة العامّة بأسرها، ومن غير الواقعي ترقّب سداد هذه القيمة دفعة واحدة خلال الأشهر المقبلة.

ولهذا السبب، يبدو من الأكيد أنّ مؤسسة كهرباء لبنان ستتجه إلى رفع التعرفة إلى مستوى 37 سنتاً لشروط الاستهلاك التي تتجاوز 100 كيلوواط/ساعة، بدل 27 سنتاً كما يتم الترويج حاليًّا. وبذلك، سيكون على المواطن توقّع فواتير فلكيّة مقارنة بفواتير المؤسسة الحاليّة، بمجرّد اتخاذ القرار، خصوصًا بعد إضافة رسم الاشتراك الثابت الذي سيترفع إلى حدود 157,500 ليرة لعدادات 25 أمبير، وبدل التأهيل الذي سيبلغ نحو 129 ألف ليرة. مع الإشارة إلى أنّ كل هذه الرسوم مقدّرة بالدولار وبسعر المنصّة، ما سيعني ارتفاعها تلقائيًّا بالتوازي مع كل ارتفاع في سعر الصرف.

أوهام ووعود زيادة التغذية الفارغة

هكذا، سيتحمّل المقيمون الزيادات الخياليّة المتوقّعة في التعرفة، بما فيها الرسوم التي سيدفعونها، حتّى إذا غابت التغذية الكهربائيّة كليًّا عن بيوتهم، أي رسوم الاشتراك والتأهيل التي ستترتّب حتّى إذا لم يسجّل العدّاد أي استهلاك يُذكر. وفي المقابل، لا يبدو أنّ هناك ما يوحي بترقّب أي زيادة في التغذية، رغم وعود وزير الطاقة والمياه برفع التغذية إلى 12 ساعة في اليوم، بناءً على الرهانات الفاشلة نفسها التي قدّم على أساسها الوعود إياها منذ سنة بالضبط.

فقرض البنك الدولي، الذي يفترض أن يموّل استجرار الغاز المصري والكهرباء الأردنيّة، لن يبصر النور قبل إجراء سلّة من الإصلاحات في القطاع، التي تشمل تشكيل الهيئة الناظمة، وإقرار خطّة لمكافحة الهدر التقني وغير التقني. كما أضاف البنك الدولي مؤخّرًا شروطًا إضافيّة تتعلّق بتدقيق وضعيّة القطاع الماليّة، ليتم تحديد جدوى المشروع الماليّة على هذا الأساس. وبات من الأكيد في الوقت الراهن أنّ موقف البنك الدولي من القرض منفصل عن الحسابات الأميركيّة والإعفاءات من عقوبات قانون قيصر، وأنّ شروط البنك -ذات الطابع التقني البحت- لن تكون خاضعة للمساومة بمعزل عن الدعم الأميركي لهذا المشروع.

في المقابل، ما زالت المفاوضات مع شركة سوناطرك تراوح مكانها. إذ لا يبدو أنّ الشركة مستعدة لمنح لبنان أي تسهيلات في الدفع، بالنظر إلى ارتفاع المخاطر الائتمانيّة المحيطة بالدولة اللبنانيّة ومؤسسة كهرباء لبنان. وبهذا المعنى، ستكون الشركة مستعدّة لبيع الفيول للبنان، لكن ضمن إطار عمليّات تجاريّة عاديّة، أو عبر عقود تنص على السداد الفوري، وهو ما سيجعل الصفقات مع الشركة شبيهة بأي صفقة مع شركة أخرى في سوق النفط. مع الإشارة إلى أن الضغوط التي تتعرّض أسواق النفط اليوم لا تشجّع سوناطرك أو غيرها على الدخول في عقود طويلة الأجل، ذات آجال وأسعار ثابتة ومحددة سلفًا.

وهكذا، يبقى الرهان الوحيد المتبقي هو الفيول العراقي، الذي يفترض أن يستمرّ بالوصول بالوتيرة السابقة، بما يمكن أن يؤمّن تغذية تقارب الساعة، ولا تتجاوز الساعتين، يوميًّا. وبذلك، يكون اللبنانيون قد دخلوا نفق فواتير مؤسسة كهرباء لبنان المرتفعة، من دون أن يتمكنوا من خفض فواتير المولّدات الخاصّة، أو خفض الحاجة لهذه المولّدات، ما سيعني تلقائيًّا زيادة الضغط على ميزانيّات الأسر اللبنانيّة. وبدل أن تكون زيادة التعرفة ثمنًا لزيادة التغذية، باتت زيادة التغذية مجرّد ثمن الأوهام التي يبيعها اليوم وزير الطاقة والمياه، الذي يسوّق اليوم لزيادة تغذية لن يتمكّن من تحقيقها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here