شركات التدقيق الدولية تتجنّب مصارف لبنان

0

كان يفترض بالفريق المعنيّ بالتفاوض مع صندوق النقد الدوليّ، وعلى رأسه نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي، إعلان ما يتعثر من تطبيق في الشروط المسبقة التي نصّ عليها الاتفاق المبدئيّ بين لبنان والصندوق. وذلك عملاً بمبدأ الشفافية التي ينادي بها الشامي، ومساهمة منه في تحميل المسؤولية لمن يعرقل ذلك الاتفاق، الذي بات على كل شفة ولسان من معارضين ومؤيدين إضافة الى غير الفاهمين.

جوانب التعثر كثيرة، وبينها ما يتعلّق بخطوات تمهيدية خاصة بإعادة هيكلة البنوك. فقد نصّ الاتفاق على البدء في التدقيق في جودة أصول 14 مصرفاً، تستحوذ على 83% من أصول القطاع، على أن تتولى ذلك شركات تدقيق دولية.

كان يفترض تلبية الشرط المذكور قبل نهاية الصيف، إلا أنّ المعنيين يتكتّمون على النتائج الأولية التي أظهرت أن شركة تدقيق عالمية واحدة تقدّمت للقيام بذلك العمل. وبالتالي فإن هذا البند لم يستوفَ بعد، ويضاف الى جملة بنود أخرى متعثرة.

مصادر معنية كشفت أن الفشل الجزئي (الخاص بالتدقيق) متصل بجملة أسباب أبرزها الآتي:

مصرف لبنان غير مستعجل… يريد بقاء “اللعبة” بشروطه وتوقيته

أولاً: ليس سرّاً أن حاكم مصرف لبنان ليس متحمّساً للاتفاق مع صندوق النقد الدولي. فهو الذي كان عارض الخطة التي وضعتها حكومة حسّان دياب بالتعاون مع شركة لازار، لا سيما تقدير الخسائر عموماً وتلك الخاصة بمصرف لبنان تحديداً. ثم عاد وأجبر على الاعتراف بحقيقة الخسائر (على مضض) في الخطة التي عملت عليها حكومة ميقاتي، تحت إشراف خبراء من لازار وصندوق النقد. ولم يكن كثيراً راضياً عن تصريحات لسعادة الشامي تشير الى “أن خطة لازار كانت جيدة نسبياً” ما جرّ عليه غضب المصارف أيضاً.

إنّ عدم حماس سلامة للخطة الجديدة يشمل معظم بنودها بما في ذلك الإسراع في التدقيق في جودة أصول المصارف. والحجة هي أنه يعمل مع لجنة الرقابة على المصارف على إعداد مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف أتى على مسألة التدقيق (أو “التخمين” كما ورد في مشروع القانون).

وذلك المشروع، الذي بات جاهزاً، يفترض إقراره حكومياً ثم إرساله الى مجلس النواب. إلا أن الواقع السياسي الفراغي يحول دون ذلك حالياً، ما يعطي سلامة ومعه المصارف فترة إضافية من الزمن هي بمثابة “شحمة على فطيرة” طالما أن شراء الوقت (إن لم نقل تضييعه) مستمرّ منذ 3 سنوات على الأقل هروباً من ساعة الحقيقة. والجرجرة الإضافية ليست مستبعدة من الآن حتى خروج سلامة من الحاكمية.

بنوك “زومبي” منذ اليوم الأول لتعثّرها… ماذا تفحص فيها؟

ثانياً: لم تبد شركات تدقيق عالمية أي اهتمام كبير للتقدم الى العمل على تدقيق جودة أصول المصارف اللبنانية.

فتلك الشركات ليست ببعيدة عن فهم ومتابعة ومعرفة تفاصيل الواقع المزري الذي وصلت اليه مصارف لبنان، والتي فقدت الثقة المحلية والدولية بها بعد توقّفها عن دفع مستحقات الودائع كما يجب منذ الأيام الأولى للأزمة. وما يستخدم محلياً لتوصيف البنوك على أنها “زومبي” ليس ببعيد عن توصيفات تطلقها شركات التدقيق العالمية على معظم بنوك لبنان. وتلك الشركات تعرف سلفاً أن أي تدقيق، وفقا للمعايير الدولية، سوف يظهر الإفلاس على حقيقته هنا وهناك بين جنبات هذا القطاع. أما مسألة أن على الدولة تحمّل الخسائر، فهي مضحكة بالنسبة لتلك الشركات ولسان حالها: “لكلّ حادث حديث عندما يتفق اللبنانيون على ذلك، وعلى كيف تتحمل الدولة 75 مليار دولار، مع العلم مسبقاً بأن صندوق النقد يرفض التوسع في استخدام الموجودات العامة لإطفاء الخسائر”.

على خطط سعادة الشامي أن ترسو على برّ أولاً… ثم لكلّ حادث حديث

ثالثاً: من خلال متابعة شركات التدقيق مجريات المشاريع “الإصلاحية” المزعومة، لا سيما تلك التي يعلن عنها سعادة الشامي لكيفية إطفاء تلك الخسائر أو توزيعها، وما لذلك من أثر على موجودات المصارف أو ما تبقى منها، فإن مصادر تلك الشركات تذكر بأن الشامي نفسه، وفي غضون أشهر قليلة غيّر خطته تحت ضغط نوّاب ومصارف وجهات أخرى، فابتدع قصة تأسيس صندوق لاسترداد الودائع.

فمن يضمن أنه لن يغيّر خططه مرة ثالثة تحت ضغوطات إضافية؟ فأيّ تغيير سيلحقه تعديل جوهري في كيفية التدقيق في جودة الأصول المصرفية الباقية.

وللمثال: فإن حماية مبلغ حتى 100 ألف دولار لكل مودع يعني الكثير بالنسبة للتدقيق في جودة الأصول المقابلة لتلك الالتزامات. كما أن القبول بمبدأ الفصل في المعالجة والسداد بين الودائع المؤهلة وغير المؤهلة، دونه معركة قانونية ودستورية وسياسية لإقناع من حوّل ودائع بالليرة الى الدولار بعد 17 تشرين 2019. هذا بالإضافة الى بنود أخرى في الخطط المطروحة تحدث تغييراً جوهرياً في التدقيق المطلوب مثل تحويل ودائع الى أسهم أو ليلرة أخرى وشطب فوائد، وما إلى ذلك من حلول مطروحة على الورق وغير متفق على معظمها بين مختلف الجهات المعنية بها.

السمعة العالمية أهم من دخول مستنقع بنوك بعضها ملاحق قضائياً

رابعاً: تشير مصادر في تلك الشركات إلى أن سمعتها العالمية أهم بكثير من بضعة ملايين قليلة قد تحصل عليها للتدقيق في أصول قطاع ليس متعثراً وحسب، بل دخل مصيره في معارك سياسية ومصلحية وربما طائفية أيضاً تشغل لبنان بأكمله، ومن غير المعروف مآلات تلك المعمعة حتى تاريخه. فضلاً عن ورود أسماء مصارف في تحقيقات أوروبية خاصة بالاتهامات الموجهة في قضايا مرفوعة ضد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. فتلك التحقيقات تلقي ظلالاً على بنوك معينة، وربما تتعرض هي الأخرى لتحقيقات معمّقة في أعمالها وأصولها، خصوصاً مصرفاً أو أكثر لهم فروع في أوروبا أو سويسرا. الى ذلك، هناك قضايا عالقة أمام القضاء اللبناني تشمل عدداً من المصارف، ومن غير المعروف مصير تلك القضايا التي دخلت الأتون السياسي أيضاً بين مهاجمي تلك البنوك والمدافعين عنها. مع الإشارة الى قلة الثقة الدولية بالقضاء اللبناني الذي بات بعض كبار قضاته تحت المجهر مع تهديدات مبطنة تطالهم إذا أمعنوا في عدم التعاون مع سلطات أوروبية تحقق في قضايا سلامة، وقضايا أخرى منها واحدة متعلقة بشركات تعود لآل الميقاتي أو تحويلات منهم مباشرة إلى موناكو وغيرها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here