الرئيسية اقتصاد لبنان عودة الحرب تعمق ركود اقتصاد لبنان وتشل عجلة الإنتاج

عودة الحرب تعمق ركود اقتصاد لبنان وتشل عجلة الإنتاج

الضغوط على الاقتصاد اللبناني تتفاقم مع عودة الحرب، مما أدى إلى تباطؤ حاد في مختلف الأنشطة الإنتاجية والتجارية وانكمشت القطاعات المرتبطة بالسياحة والخدمات، وسط تزايد المخاوف من تداعيات أعمق قد تشمل إقفال عدد كبير من الشركات وفقدان آلاف الوظائف، ما يضع البلد أمام اختبار جديد في مرحلة بالغة الهشاشة.

بيروت – يدخل الاقتصاد اللبناني مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد تداعيات الحرب الدائرة حاليا بين حزب الله وإسرائيل، في وقت لم يتعافَ فيه بعد من أزماته المالية والنقدية العميقة التي تضرب البلاد منذ سنوات.

وبدأت تنعكس التطورات الأمنية الأخيرة بشكل مباشر على مختلف القطاعات الاقتصادية، ما أدى إلى تعطل في النشاط التجاري والخدماتي والإنتاجي، وسط مخاوف متزايدة من انزلاق الاقتصاد مجدداً إلى مرحلة انهيار أشد وطأة مما شهدته البلاد في السنوات الماضية.

وحذّرت الهيئات الاقتصادية من المخاطر الكبيرة التي تهدد الاقتصاد في قطاعيه العام والخاص نتيجة استمرار الحرب، التي عادت مرة أخرى مع اندلاع الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران.

وأشار رئيس الهيئات الاقتصادية محمد شقير إلى أن الأرقام التي جُمعت من النقابات والجمعيات الاقتصادية تظهر بوضوح حجم التراجع الذي أصاب معظم الأنشطة الاقتصادية.

وأكد أن تباطؤ الأعمال طال غالبية القطاعات، في وقت تكاد فيه الإدارة العامة تكون شبه مشلولة في مناطق واسعة من لبنان.

ونسبت وكالة الأنباء اللبنانية الرسمية إلى شقير الذي شغل منصب وزير الاتصالات في السابق قوله في بيان إن هذا “الأمر يزيد من صعوبة إدارة الأزمة ويضاعف الضغوط على المؤسسات الاقتصادية”.

ويجد لبنان الذي يرزح تحت وطأة أزمات متراكمة منذ سنوات، نفسه اليوم أمام اختبار جديد قد تكون تداعياته عميقة ما لم يتم احتواء الأزمة سريعاً وإعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة والاقتصاد المنهك من تراكم الأزمات.

وبعدما أعلن البنك الدولي في تقرير المرصد الاقتصادي للبنان يناير الماضي أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي ارتفع بنسبة 3.5 في المئة خلال عام 2025، فإن الحرب قد تدفع النمو إلى الانكماش.

وتبرز التجارة كأحد أكثر القطاعات تأثراً بالتطورات الأمنية، حيث تشير المعطيات إلى أن النشاط التجاري تراجع بنحو 50 في المئة.

ويعود هذا التراجع أساساً إلى الانخفاض الكبير في مبيعات السلع غير الأساسية التي تراجعت بنسب تتراوح بين 60 و80 في المئة، في حين بقي الطلب على السلع الأساسية قريباً من مستوياته الطبيعية نسبياً.

ويعكس هذا الواقع تحوّل سلوك المستهلكين نحو التركيز على الاحتياجات الضرورية في ظل حالة عدم اليقين والقلق المرتبطين بالأوضاع الأمنية والاقتصادية.

ولم يكن القطاع الصناعي بمنأى عن هذه التداعيات، إذ سجّل بدوره تراجعاً يقارب 50 في المئة في مستوى النشاط.

أبرز التداعيات
• إشغال الفنادق عند 10 في المئة فقط

• المطاعم تخسر 90 في المئة من نشاطها

• ضغط إضافي على المالية العامة مع تراجع الإيرادات

• تعطل الصادرات الزراعية والصناعية

• بطء شديد في أعمال قطاع العقارات

وأرجعت الهيئات الاقتصادية ذلك إلى توقف عدد من الوحدات الإنتاجية في مناطق الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت إضافة إلى بعض مناطق البقاع، وهي مناطق تضم جزءاً مهماً من القاعدة الصناعية في البلاد.

كما ساهم تعطل الصادرات إلى دول الخليج وتراجع الطلب على السلع غير الأساسية في زيادة الضغوط على المصانع اللبنانية التي تعاني أصلاً من تحديات كبيرة تتعلق بكلفة الإنتاج والطاقة والتمويل.

أما القطاع الزراعي، الذي يشكل أحد الأعمدة التقليدية للاقتصاد اللبناني، فقد شهد بدوره انكماشاً ملحوظاً في النشاط بنسبة تقارب 40 في المئة.

وتعطل إنتاج المحاصيل في مناطق واسعة من الجنوب وجزء كبير من البقاع، إضافة إلى توقف الصادرات الزراعية إلى الأسواق الخليجية التي تشكل الوجهة الرئيسية للمنتجات اللبنانية.

ويثير هذا الواقع مخاوف متزايدة من خسائر كبيرة للمزارعين ومن تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي والدخل الريفي.

وتبدو السياحة الأكثر تأثراً بالأوضاع الأمنية، حيث تراجعت حركة السياحة الوافدة إلى لبنان بشكل شبه كامل. فقد سجلت الفنادق انخفاضاً حاداً في نسب الإشغال التي تراوحت بين 10 و15 في المئة فقط، نتيجة إلغاء عدد كبير من الحجوزات وتوقف تدفق السياح.

ويُعد هذا التراجع ضربة قاسية لقطاع كان يعوّل عليه في السنوات الأخيرة كأحد مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى الاقتصاد اللبناني.

كما انعكست هذه التطورات بشكل واضح على قطاع المطاعم والمقاهي، الذي تراجعت حركته بنحو 90 في المئة نتيجة الانخفاض الحاد في الإقبال من الزبائن.

وفي ظل الأوضاع الأمنية الراهنة، يكاد النشاط يكون معدوماً، بعدما كانت هذه القطاعات تشكل جزءاً مهماً من الحياة الاقتصادية والسياحية في المدن اللبنانية، خصوصاً في بيروت.

وسجل قطاع مكاتب السياحة والسفر تراجعاً بنحو 80 في المئة، حيث اقتصر النشاط في معظمه على إلغاء الحجوزات أو تعديلها بدلاً من تنظيم الرحلات السياحية.

وعلاوة على ذلك تضرر قطاع تأجير السيارات بشكل غير مسبوق، إذ انخفضت الحركة فيه بنسبة تجاوزت 95 في المئة، في انعكاس مباشر لتوقف الحركة السياحية وانخفاض التنقلات الداخلية.

وفي موازاة ذلك، تراجع نشاط قطاع الخدمات بشكل عام بنسبة تراوحت بين 40 و50 في المئة، وهو قطاع يشكل أحد المحركات الأساسية للاقتصاد اللبناني.

ويشمل هذا القطاع طيفاً واسعاً من الأنشطة المهنية والاستشارية والتقنية التي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار البيئة الاقتصادية والأمنية.

أما القطاع العقاري، الذي كان تاريخياً أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني، فقد دخل في حالة جمود شبه كامل نتيجة انعدام الطلب وتزايد حالة الترقب لدى المستثمرين والمشترين على حد سواء.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه هذا القطاع منذ سنوات من تباطؤ حاد بسبب الأزمة المالية وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز التحدي الأكبر في الضغط الإضافي على المالية العامة للدولة، حيث يتوقع أن يؤدي تزايد الإنفاق المرتبط بالأوضاع الأمنية والإنسانية إلى جانب انخفاض الإيرادات الضريبية إلى تعميق العجز المالي.

ويهدد هذا الوضع بزيادة هشاشة المالية العامة في بلد يعاني أصلاً من أزمة ديون غير مسبوقة ومن تراجع حاد في قدرته على تمويل نفقاته الأساسية.

وتحذر الأوساط الاقتصادية من أن استمرار الحرب وإطالة أمدها قد يؤديان إلى إقفال مئات المؤسسات وصرف آلاف الموظفين من أعمالهم، ما من شأنه أن يفاقم الأزمة الاجتماعية ويزيد معدلات البطالة والفقر في البلاد.

كما أن تراجع النشاط الاقتصادي بهذا الحجم قد يؤدي إلى سلسلة من التداعيات المتشابكة تشمل تراجع الاستثمارات وانخفاض الاستهلاك وتآكل القدرة الإنتاجية للاقتصاد.

وفي ضوء هذه المؤشرات، دعا شقير إلى ضرورة العمل على وقف الحرب بأسرع وقت ممكن، باعتبار أن الاستقرار الأمني يشكل الشرط الأساسي لوقف النزيف الاقتصادي وفتح الباب أمام أي مسار محتمل للتعافي.

مصدرالعرب اللندنية
المادة السابقةزخم الاستثمار يعزز دور اللوجستيات البحرية في الاقتصاد العربي
المقالة القادمةالحرب تغيّر خطوط الشحن البحري: كيف تصل البضائع إلى لبنان؟