غلاء إضافي إعتباراً من الشهر المقبل

0

ليس مبالغة القول إن مقاربة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ومعها مجلس النواب لإقرار الدولار الجمركي على سعر 15 ألف ليرة، تُشبه أسلوب النعامة في وضع رأسها في الرمال. فبالرغم من تيقّن الطرفين أن هذه الزيادة، لن تصل إلى مبتغاها لأنها إرتجالية، وغير مكتملة بسلة إصلاحات وإجراءات أبرزها منع التهريب والتهرب الجمركي والضريبي. ولا هي أتت في سياق هدف توحيد أسعار الصرف المطلوب عاجلاً أم آجلاً لوقف التشوهات الهائلة.

أقر مبدأ رفع الدولار الجمركي مقروناً بزيادة الرواتب مع تجاهل تجربة إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2016، ونتائجها السيئة على الخزينة، ما أعاد كلّاً من الحكومة والمجلس في العام 2022، الى دفن رأسيهما خوفاً من إستمرار إضراب القطاع العام، مراهنين على مردود الدولار الجمركي لتمويل زيادة الرواتب، من دون أي إلتفات لتداعيات هذه الخطوة على الاسعار والتضخم والركود الاقتصادي. ما يعني أن هذا الرفع لن يُسمن خزينة الدولة أو يُغني موظفي القطاع العام من جوع. وسيُعيد الجميع أي القطاعين العام والخاص، الى الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها: إرتفاع أسعار- تضخم- مطالبة بزيادة رواتب-، والغرق أكثر في جهنم الإنهيار التي نعيش فيها منذ بداية الأزمة. بسبب هذا السيناريو المتوقع، لم يمر قرار رفع الدولار الجمركي، منذ إقراره في موازنة 2022 مرور الكرام، رغم أنه سيصبح نافذاً أوائل الشهر المقبل. إذ إنه لا يزال محور إهتمام اللبنانيين والإقتصاديين، بسبب المشهد القاتم الذي سيولّده، من دورة جديدة في إرتفاع للأسعار.

بإنتظار لوائح السلع المعفية!

على خط التحرك الرسمي لمنع أي زيادات غير مستحقة على أسعار السلع، يقول مصدر في وزارة الاقتصاد لـ»نداء الوطن»، أن «وزير الاقتصاد أمين سلام طلب من المستوردين، تزويد الوزارة بلوائح البضائع التي تمّ إستيرادها قبل هذا القرار، لتبليغها لمفتشي مديرية حماية المستهلك حين يقومون بجولاتهم التفقدية. كما أن الوزارة بإنتظار لوائح من وزارة المال، تُظهر البضائع المعفية من الدولار الجمركي، والتي تضم نحو 70 منتجاً غذائياً أساسياً، وتلك التي تخضع للضرائب والضريبة على القيمة المضافة». وكان سلام قد أصدر تعميماً يتعلق بمكافحة ارتفاع اسعار السلع، نتيجة لإرتفاع سعر الدولار الجمركي، حذّر فيه التجار من تعديل اسعار مبيع السلع للمستهلكين، لتلك التي تم استيرادها واستوفيت رسومها الجمركية على الـ 1500، لكن العبرة دائما بالتنفيذ.

إرتفاع شامل للأسعار: 5-70%

في الميزان الاقتصادي يشرح الاقتصادي، والاستاذ الجامعي باسم البواب لـ»نداء الوطن» أن «رفع سعر الدولار الجمركي، سيؤثر على كل القطاعات والحركة الاقتصادية في البلد. فالهدف منه زيادة رواتب القطاع العام. لكن نتائجه ستكون سلبية وسيزيد الاسعار، حتى على المواد الغذائية التي لا يشملها الدولار الجمركي». موضحاً أن «السلع المعفية من الجمارك سيزيد سعرها 5%، لأن كلفة النقل والكلفة التشغيلية للمصنع او المؤسسة التي تنتجها ستزيد. وسيتراوح ما بين 40 و50% على الكماليات مثل السيارات، والمواد الغذائية التي عليها جمارك بنسبة 70%»، ويشير إلى أنه «مع دولار الـ15 ألف ليرة، سيزيد سعر هذه البضائع بين 25 و 30%. والمعدل العام للزيادة سيكون بين 15 و20%».

زائد 3%=20 ألف ليرة للدولار الجمركي

يلفت البواب أيضاً إلى أن «الزيادة 3% التي أُعيد إعتمادها، على كل السلع المستوردة في موازنة العام 2022، كانت موجودة في موازنة 2017، ولمدة 3 سنوات لتمويل سلسلة الرتب والرواتب، وقد انتهى مفعولها منذ عدة أشهر. وهي تشمل كل إتفاقيات الاستيراد من أوروبا والدول العربية»، شارحاً أنه «بهذه الخطوة تكون الحكومة قد إلتفت على قرار زيادة الدولار الجمركي، على سعر 20 ألفاً من خلال إقراره على سعر 15 ألفاً، وتمديد هذه الزيادة (3%)، وهذا ما سيزيد التضخم أكثر».

إتساع هوامش الاقتصاد الموازي (الأسود)

ويُشدد البواب أن «الدولار الجمركي سيزيد الكلفة التشغيلية على القطاع الخاص، ولذلك سيتم تحميلها للمستهلك في النهاية. لأن القطاع الخاص بات مضطراً لزيادة الرواتب والاجور للموظفين، بسبب إرتفاع التضخم وكلفة المعيشة، وهذا يعني أننا دخلنا حلقة مفرغة». موضحاً أنه «لا زيادة في الانتاج وليس من نمو إقتصادي، بل المزيد من التضخم وطبع العملة والتهريب، وإتساع الاقتصاد الاسود أو ما يسمى الاقتصاد الموازي. وهذه هي المشكلة الاساسية على القطاع الخاص، لأنه سيعاني أكثر فأكثر من التهريب». ويؤكد أنه «عندما يطبق الدولار الجمركي على سعر 15 ألفاً، سيزيد التهريب بأضعاف وسيزيد الظلم الذي سيلحق بالتاجر الشرعي، وستتسع رقعة الاقتصاد غير الشرعي وستتراجع عائدات الدولة».

ويوضح أن «إحتساب الضريبة على القيمة المضافة أو tva، يتم كل ثلاثة أشهر من قبل الشركات والتجار، ولكن الفصل بين فترة الشهر التي أُحتسبت على دولار 1500 (شهر تشرين الاول) وبين الفترة التي سيتم إحتسابها على دولار 15000 ( شهرا تشرين الثاني وكانون الاول) أمر ممكن، لأن المؤسسات تتقدم بتصاريحها إلى وزارة المالية في 15 كانون الثاني». يضيف: «من المفروض أن تصدر الجمارك بالتعاون مع وزارة الاقتصاد، لوائح تظهر البضائع المعفية من الدولار الجمركي وتلك غير المعفية. لكن الاهم هو محاربة الجمارك لعمليات التهريب والتحايل على القوانين، من خلال التلاعب بنوعية البضائع للتهرب من دفع الرسوم». شارحاً أن «من أساليب التلاعب، التصريح عن أن البضائع المستوردة هي معفية من الجمارك، بينما في الحقيقة تكون بضائع أخرى تستوجب دفع جمارك عالية، ولذلك يجب التشدد في التفتيش، وهذا الأمر ليس من الأكيد أنه يمكن تطبيقه في لبنان، لأن الفساد مُنتشر في كل إدارات في الدولة».

تعدّد أساليب التلاعب

يؤكد البواب أنه «لن تدخل إلى الخزينة الاموال، التي راهنت عليها الحكومة من خلال الدولار الجمركي لعدة أسباب، أبرزها التهريب الحاصل في كل المنافذ الشرعية وغير الشرعية. فهم إحتسبوا أنه سيتم الاستيراد بعشرات المليارات، على غرار ما كان يحصل قبل العام 2019»، لافتاً إلى أن «مردود الجمارك كان نحو ملياري دولار، والضريبة على القيمة المضافة تبلغ ملياري دولار أيضاً، ولكن فعلياً لن يحصل هذا الامر لأن الحدود مفتوحة، وهناك 134 معبراً غير شرعي من سوريا وإليها، يتم التهريب عبرها. والجمارك العالية ستزيد التهريب والتحايل على القانون». ويشرح أن «التهريب يمكن أن يحصل بطرق متعددة، مثل تغيير قيمة الفاتورة أو الصنف، أو التصريح بأنها معدة للتصدير للخارج بينما تبقى البضائع في لبنان». مشدداً على أن «القطاع الخاص الذي يلتزم بالقوانين، يعاني من الفوضى والمنافسة غير الشرعية، وهذه مشكلة لأنه يتم تقوية الظالم على حساب المظلوم، والمطلوب هو زيادة الدولار الجمركي مع ضبط معابر التهريب اينما وجدت، عندها تتحقق العدالة للجميع».

ويختم: «الموازنة التي صدرت هرطقة، لأنها صدرت في آخر العام، وتتخللها ثغرات كبيرة ولا تتعدى كونها تسجيل موقف من الحكومة، بأنها أصدرت موازنة. علما أنه من المفروض أن تُصدر حالياً موازنة العام 2023، والامور لن تستقيم إلا من خلال تطبيق سلة متكاملة، للإصلاحات المطلوبة في كل القطاعات».

المجلس الاقتصاد الاجتماعي: صرخة في برية

بالرغم من أن المجلس الاقتصادي الاجتماعي، هو من المؤسسات التي تُسدي النصائح والاستشارات، ويجب الاستماع إليه حين يتخذ القرار برفع الدولار الجمركي، إلا أن كل التحذيرات التي أبداها المجلس للحكومة، كانت صرخة في برية، وذهبت إقتراحاته البديلة أدراج الرياح.

ويشرح ممثل القطاع التجاري في المجلس عدنان رمال لـ»نداء الوطن»، أنه «كنا نفضل كقطاع خاص وقطاعات تجارية وإنتاجية، أن يكون رفع الدولار الجمركي على مراحل. صحيح أنه لم يعد بالامكان الاستمرار في إستيفاء الجمارك على دولار 1500، لأن الدولة بحاجة للإنفاق على المرفق العام، ولكننا كنا نفضل أن يرتفع على سعر 8 آلاف ليرة، لأن المودعين يسحبون من ودائعهم على دولار 8 آلاف ليرة. وتمّ تصحيح رواتب موظفي القطاع الخاص ضمن 8 آلاف ليرة وما دون، والقطاع العام تمت زيادة رواتبه 3 أضعاف»، معتبراً أن «هذا الرقم ( 8 آلاف) سيكون أكثر عدلاً للمواطن، وسيخفف من إمكانية اللجوء إلى التهريب والتهرب الضريبي، الذي من المتوقع أن يحصل مع تطبيق الدولار الجمركي، ويزيد من إمكانية إستيعابه من قبل القطاعات الاقتصادية والمكلفين، من دون أن يتراجع الاستهلاك أو يحصل تضخم بنسب عالية».

قرار «سلق»… سيرفع الأسعار 25%

يضيف: «سعر 15 ألف ليرة اي 10 اضعاف، يعني أن الاسعار ستزيد 25% كمعدل وسطي، مع تضخم غير مسبوق، نتيجة الانهيار الحاصل وإنهيار القدرة الشرائية للمواطن. وفي ظل حجم إقتصاد كان يقدر بـ 52 ملياراً وبات 17 ملياراً، هذا يعني أن القرار هو «سلق» وغير مدروس وعشوائي». يشدد رمال على أن «الرفع المتدرج لن يسمح بالتخزين، أو إستغلال التجار، وهذا كلام أهدافه شعبوية ويسوقه المسؤولون لتبرير الزيادة، والتجار لن يزيدوا الاسعار إلا بحسب كلفتهم التشغيلية. والهدر الحقيقي وسوء الادارة في القطاع العام ادى الى الانهيار الاقتصادي بسبب فشلهم»، مؤكداً أن «القطاع الخاص هو من يرفد الدولة بالاموال، بينما مؤسسات الدولة تكبد الاقتصاد الخسائر. والدليل ما يحصل في مؤسسة كهرباء لبنان، ولو يتم تسليم مؤسسة كهرباء لبنان للقطاع الخاص، لكانت حققت الارباح بدل الخسائر السنوية بقيمة ملياري دولار».

المهربون تحت أعين الدولة

ويرى أنه «في لبنان هناك تجار شرعيون يدفعون الضرائب، وهناك مهربون يعملون منذ 30 عاماً تحت أعين الدولة. والاخطر هو التهريب الذي يحصل في المرافق الشرعية، ومنها مرفأ بيروت وهو يحصل بنسب اكبر، من التهريب في المعابر غير الشرعية».

نعمة: لا خطة… والأرقام وجهة نظر

تعتبر نائب رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتورة ندى نعمة لـ»نداء الوطن» أنه «لا يمكن رفع الدولار الجمركي، من دون خطة إنقاذ شاملة وصيغة حقيقية للحل. لأن القيمة الشرائية لليرة اللبنانية تراجعت بشكل كبير». لافتة «إلى أن الأسوأ هو أن هذه الزيادات تحصل، في ظل ضبابية شاملة حول كيفية خروج الناس من الازمة. وعلى العكس من ذلك نجد أن ودائع المواطنين محجوزة في المصارف، والرواتب (بالرغم من الزيادات التي حصلت)، إلا أنها لا تؤمن العيش الكريم للمواطن، سواء أكان في القطاع العام أو الخاص».

تضيف: «من نتائج هذا القرار هو المزيد من الانكماش الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، وزيادة أعبائهم الحياتية، في ظل حديث مبهم عن حرص وزارة الاقتصاد، على عدم إدخال المواد الغذائية الاساسية، ضمن المواد التي ستخضع للزيادة، لكن إلى الآن لم نعرف ما هي هذه المنتجات، ولم تصدر جداول فيها».

وتؤكد نعمة أن «الأهم هو إيجاد خطة حل إقتصادية قبل إقرار أي زيادة، وتصحيح الوضع الشاذ حالياً، ولا يمكن إنزال القرارات على رؤوس الناس بشكل عشوائي. وللأسف منذ ثلاث سنوات هذه الخطة غائبة، والارقام وجهة نظر بدل أن يتم البناء عليها للخروج من الازمات، ولا أعتقد أن السلطة، تريد إيجاد حلول حقيقية لما نعانيه».

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here