غلاء التكاليف يقوّي شوكة كبار التجار في سوق شحن الغاز

0

أدى الارتفاع الصاروخي في أسعار شحن الغاز الطبيعي المسال إلى إقصاء العشرات من صغار التجار، مما تسبب في تركيز الأعمال في أيدي حفنة من شركات الطاقة العالمية الكبرى وكبار التجار في هذه السوق.

ومن غير المتوقع أن تتراجع هذه القبضة حتى عام 2026 عندما تزيد كميات الإنتاج وتنخفض الأسعار، مما يزيد من مخاوف نقص الإمدادات للدول الفقيرة التي تعتمد عليه لتوليد الطاقة ورفع التكاليف لاقتصادات آسيا الكبرى.

وتضاعف حجم سوق الغاز العالمي منذ 2011، مما أدى إلى دخول العشرات من الوافدين الجدد وتوسع الشركات الأصغر حجمًا في آسيا.

وفي السنوات الأخيرة شكل التجار الصغار 20 في المئة من واردات الغاز الطبيعي المسال في الصين وحدها.

لكن الارتفاع الحاد في أسعار الشحن الفوري للغاز إلى ما بين 175 و200 دولار، من نحو 15 إلى 20 مليون دولار قبل عامين، كان له تأثير زلزالي على نشاط التداول المادي للعديد من اللاعبين الصغار.

وارتفع رأس المال اللازم للتداول في السوق بعد أن ارتفعت أسعار الغاز القياسية من أدنى مستوياتها القياسية دون دولارين لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في 2020 إلى أعلى مستوياتها عند 57 دولارا في أغسطس الماضي.

ففي يوليو الماضي اشترت نيبون ستيل كورب اليابانية، ثاني أكبر شركة لتصنيع الصلب في العالم، شحنة من الغاز المسال بسعر 41 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

واستقر سعر الغاز الفوري عند 40.5 دولار لكل وحدة حرارية بريطانية في ذلك الوقت.

وتراجعت الأسعار مؤخرا لتصل إلى 38 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية الاثنين الماضي، لكن المحللين يقولون إنها لا تزال عند مستويات يمكن ربطها بأزمة طاقة مستمرة.

وقال بن ساتون، الرئيس التنفيذي لسيكس ون كوموديتيس وهي شركة أميركية لتجارة الغاز المسال اضطرت إلى تقليص عملياتها بعد ارتفاع الأسعار في الربع الثالث من 2021، لرويترز إن “التحدي الأكبر الذي يواجه كل مشارك في السوق حاليا هو الائتمان”.

وأدى تقلب السوق على المدى القصير إلى زيادة المخاطر بالنسبة إلى المتداولين؛ حيث تقود العوامل الجيوسياسية، وفي مقدمتها الحرب في أوكرانيا وبدرجة ثانية الحرب التجارية الأميركية – الصينية، بدلا من الأساسيات تحركات الأسعار.

وقال تامير دروز، العضو المنتدب لشركة كابرا للطاقة الاستشارية للغاز الطبيعي المسال، إن “تضخم قيم شحن الغاز الطبيعي المسال، جنبا إلى جنب مع الارتفاع في التقلبات، وضع ضغطا كبيرا على هؤلاء اللاعبين الذين يعملون بميزانيات أصغر”.

وفي آسيا ذكر مسؤول تنفيذي تجاري لرويترز أن بعض اللاعبين الصغار تركوا مكاتبهم “خاملة” في المركز التجاري لسنغافورة، بينما قلص التجار الصينيون من الدرجة الثانية وبعض الشركات الكورية النشاط بسبب صعوبة تأمين التمويل.

وقال بابلو جالانت إسكوبار، الرئيس العالمي للغاز الطبيعي المسال لدى شركة فيتول لتجارة الطاقة، خلال مؤتمر جاستيك الدولي في مدينة ميلانو الإيطالية في وقت سابق هذا الشهر إن “الغاز الطبيعي المسال عاد ليصبح سلعة الأغنياء”.

أعلى وأطول

تميل الظروف الآن بشدة لصالح اللاعبين الذين لديهم محافظ كبيرة ومتنوعة وميزانيات عمومية قوية مثل شركات النفط الكبرى، وفي مقدمتها شل وبرتش بيتروليوم (بي.بي) وتوتال إنرجي جنبا إلى جنب مع دور التجارة الكبرى بما في ذلك شركات فيتول وترافيغورا وجونفور وجيلنكور.

ووفقا لما ذكره جيسون فير، الرئيس العالمي لذكاء الأعمال في شركة استشارات الطاقة والشحن، من المتوقع أن تمتلك شل وتوتال إنرجي محفظة مجمعة تبلغ 110 ملايين طن من سوق الغاز الطبيعي المسال الذي يبلغ حجمه 400 مليون طن حاليا.

وقامت هاتان الشركتان ببناء محافظ، حيث اشترت شل شركة بي.جي للطاقة وتولت شركة توتال إدارة ذراع إنجي للغاز الطبيعي المسال. وكلتاهما شريكتان أيضا في حقل الشمال القطري، أحد أكبر مشاريع الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم.

وتعني إضافة محفظة قطر للطاقة البالغة 70 مليون طن ومحفظة شركة برتش بتروليوم التي تقدر بنحو 30 مليون طن، أن أربعة لاعبين يمثلون أكثر من نصف السوق.

وقالت مصادر مطلعة في صناعة الغاز لرويترز “في حين أن ارتفاع أسعار الفائدة يضيف إلى تكاليف التداول، فإن هذه لم تزعج اللاعبين الكبار بعد، والذين يمثل ضغط الأسعار المتزايد نقطة جيدة بالنسبة إليهم”.

وحققت شركتا شل وتوتال إنرجي أرباحا قياسية خلال الفترة الماضية، فالشركة البريطانية جنت مكاسب مالية في نهاية الربع الثاني من هذا العام بلغت حوالي 9.3 مليار دولار، أي بزيادة ثلاثة أضعاف عن الفترة نفسها من العام الماضي.

أما توتال إنرجي فتضاعفت أرباحها في الفترة بين أبريل ويونيو الماضيين ثلاث مرات تقريبا عن العام السابق لتبلغ 5.7 مليار دولار.

وتجاوزت أرباح فيتول، أكبر شركة مستقلة لتجارة النفط في العالم، في النصف الأول من 2022 نتائج العام الماضي بأكمله والتي بلغت 4.2 مليار دولار.

وقال جاي بروجي المستشار المستقل في قطاع صناعة الغاز إن “شركتي شل وتوتال إنرجي هما الفائزان الرئيسيان”.

وأضاف أنهما “شريكان ومتعهدان في المصانع المصرية في دمياط وإدكو، إلى جانب شركة بي.بي وإيني الإيطالية لبيع الغاز بسعر أعلى بكثير من السعر المستهدف للحكومة البالغ 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية”.

وباعتبارهما مشترييْن للغاز الطبيعي المسال الأميركي عبر عقود طويلة الأجل، فقد حققت شركتا شل وتوتال إنرجي أيضا مكاسب هائلة من إعادة بيع الشحنات الأميركية منخفضة السعر إلى الأسواق الأوروبية ذات الأسعار الأعلى.

وقال بروجي “نحن ندخل منطقة غير محددة في ما يتعلق بأسواق الغاز الطبيعي المسال، ومن الصعب فهم تداعيات الأزمة الحالية مع روسيا ليس فقط للغاز الطبيعي المسال”.

وأضاف أن “الشيء الوحيد المؤكد هو أن الأسعار هنا لتبقى مرتفعة لفترة أطول”.

صعوبة المنافسة

تؤدي أسعار شحن الغاز الطبيعي المسال المرتفعة أيضا إلى زيادة فقر الطاقة على مستوى العالم، حيث يتم تحويل بعض الشحنات، الموجهة في البداية إلى الدول الفقيرة، إلى المشترين الأوروبيين.

وقال فيليكس بوث، رئيس قطاع الغاز الطبيعي المسال في شركة تحليلات البيانات فورتيكسا، “تبرز باكستان وبنغلاديش كخاسرين كبيرين حيث كانت لدى كل منهما إستراتيجيات مشتريات مع نسبة عالية من الشراء الفوري وتُركا لمواجهة أزمة الطاقة هذا العام”.

وفي يوليو الماضي لم تتلق شركة باكستان للغاز الطبيعي المسال المحدودة (بي.أل.أل) أي عطاءات في مناقصة لاستيراد عشر شحنات من الغاز الطبيعي المسال.

وأظهرت وزارة النفط الهندية أن الحكومة دفعت 20 في المئة أكثر على أساس سنوي لوارداتها من الغاز الطبيعي المسال في يوليو، بقيمة 1.2 مليار دولار، في حين أن أحجام الواردات الشهرية تراجعت أكثر بسبب ارتفاع الأسعار الفورية.

وقال تشارلي ريدل، المدير التنفيذي لمجموعة تجارية مركز الغاز الطبيعي المسال (سي.أل.أن.جي)، لرويترز إنه “حتى نبني المزيد من البنية التحتية ونضع المزيد من السفن في المياه سيكون من الصعب التنافس مع الأسواق الراسخة”.

أما المحلل جيسون فير، في شركة بوتين آند بارتنار، فقال إن “التطوير البطيء للمشاريع والعودة المحتملة للصين من القيود المتعلقة بالجائحة سيؤديان إلى ارتفاع الأسعار”.

وأضاف “قد يزداد الأمر سوءا إذا عادت الصين إلى السوق بشكل كبير. لقد خرجت الصين من السوق هذا العام بسبب انخفاض الطلب نتيجة عمليات الإغلاق وتباطؤ النمو الاقتصادي. وقد سمح ذلك بتدفق الحجم إلى أوروبا”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here