في جيوب مَنْ حطّت 74 مليار دولار؟

0

في مطلع تشرين الثاني 2019، أبلغ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، المجتمعين في القصر الرئاسي أنه يملك 30 مليار دولار جاهزة للاستعمال. أما اليوم، فإن مصرف لبنان يحمل في محفظة السيولة أقلّ من 9 مليارات دولار. ما أخفاه سلامة وقتها، أن هذه السيولة بالعملة الأجنبية لم تكن مغطّاة بأصول مماثلة، إذ كان صافي الأصول بالعملات الأجنبية يسجّل عجزاً في حينه بقيمة تفوق 40 مليار دولار، ثم ازداد هذا العجز ليبلغ 74 مليار دولار في نهاية 2021. كل هذه المبالغ أُنفقت لتمويل حركة هروب الرساميل والأرباح، أو لتمويل استهلاك يستحوذ على الحصّة الكبرى فيه أقلية ثريّة في لبنان.

أظهرت إحصاءات مبنية على أرقام مصدرها مصرف لبنان، أن لبنان كان لديه فائض في صافي الأصول (الموجودات) بالعملة الأجنبية يبلغ 8.6 مليارات دولار في عام 2010، إلا أنه بدأ يتضاءل تدريجاً إلى أن بلغ 2.6 مليار دولار في عام 2013، وانقلب الأمر إلى عجز بقيمة 6.6 مليارات دولار في عام 2014. ومن يومها بدأ تراكم العجز يتضاعف في نهاية 2017، ثم بدأ يقفز بطريقة جنونية مسجّلاً 30.2 مليار دولار في نهاية 2018، و40.3 مليار دولار في نهاية 2019، و60.3 مليار دولار في نهاية 2020، و74 مليار دولار في نهاية 2021.

 

تطوّر العجز خلال مراحل مختلفة. ففي السنوات الأولى امتنعت المصارف عن إقراض الدولة، إلا أنها انخرطت في إقراض مصرف لبنان بالعملة الأجنبية طمعاً بهوامش أرباح أعلى كان يوفّرها لها. فالمصارف كانت مدركة لما يحصل، إلا أنها فضّلت الاستفادة من أسعار فائدة أعلى على ودائع مصرف لبنان وشهادات الإيداع التي كان يصدرها، مقابل أن ينوب عنها هو في شراء سندات الدين التي تصدرها الحكومة. لكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحد، إذ إنه في فترة ما بين عامي 2016 و2017، لم يعد لبنان قادراً على إقناع المستثمرين في الخارج بشراء سندات اليوروبوندز التي تصدرها الحكومة، وباتت التدفقات النقدية إلى القطاع المصرفي تتباطأ بوتيرة كبيرة. في تلك الفترة قرّر مصرف لبنان أن ينفّذ ما أسماه «هندسات مالية» كان هدفها إنقاذ بعض المصارف الكبرى من الإفلاس، ثم عمّم عملياته على باقي المصارف من أجل استقطاب المزيد من التدفقات.

وباستثناء هذه «الهندسات»، واصل مصرف لبنان العمل بشكل اعتيادي. لم يطلب من الحكومة أن تقوم بأي تقييد لحركة الاستيراد، أو أن يقوم هو بتقييد مقنّع أو مباشر لحركة التحويل إلى الخارج، بل واصل العمل بشكل اعتيادي. وراج في تلك الفترة أن لبنان على أعتاب أزمة إنما ستنقذه الدول المانحة التي قرّرت أن تخصص له تمويلاً بقيمة تفوق 11 مليار دولار في مؤتمر «سيدر» في نيسان 2018. في السنة التالية، توقف مصرف لبنان عن إعطاء المصارف السيولة التي تحتاج إليها لتغطية التزاماتها تجاه الزبائن. وفي السياق نفسه، توقفت المصارف عن تسديد ودائع الزبائن. في البداية كان الأمر بالتدرّج وبشكل غير مباشر، إنما سرعان ما أصبح مباشراً بعد إقفال استمرّ لنحو 12 يوم عمل متتالية. وبعد بضعة أشهر، وتحديداً في آذار 2020، أعلنت الحكومة اللبنانية التوقف عن تسديد سندات اليوروبوندز، أي عن تسديد ديونها بالعملة الأجنبية.

في نهاية 2022 سيكون قد مضت تسع سنوات على تسجيل العجز في صافي الموجودات الأجنبية، وقبلها هناك ثلاث سنوات من انكماشه بشكل ثابت ومستمر، وسيكون مصرف لبنان قد بدّد أكثر من 74 مليار دولار على تمويل عمليات نجهل القسم الأكبر منها، إذ إن معيار صافي الأصول الأجنبية يدلّ على ما يملكه البلد من عملات أجنبية في القطاع المالي، مقابل كل ما يترتب عليه من التزامات بالعملة نفسها، وبالتالي فإن الفائض/ العجز فيه مرتبط مباشرة بالحساب الجاري الذي يمثّل جزءاً من ميزان المدفوعات. وهذا الأخير سجّل العجز ابتداءً من عام 2011 ولم يتوقف في السنوات التالية باستثناء عام 2016، ما كان يعني بوضوح أن الاستمرار في السياسات الاقتصادية والمالية نفسها سيؤدّي إلى الانفجار وتبديد ما تبقّى من الأصول الأجنبية. العجز في ميزان المدفوعات وضمناً في الحساب الجاري يعني أن مصادر التبديد يمكن تحديدها باثنين: تحويل الأموال إلى الخارج سواء من خلال هروب الرساميل والأرباح المصرفية، أو مواصلة تمويل الاستيراد بشكل اعتيادي رغم أن القدرة الشرائية منفوخة وهمياً بسعر صرف ثابت. عملياً، هُرِّبت الأموال التي كانت لديها معلومات داخلية عن أن الأزمة قريبة، واستفادت منها فئة قليلة من السكان الأثرياء لا تتجاوز 1% من عدد السكان الذين يستحوذون على الحصّة الكبرى من استهلاك المقيمين. أما الذين يدفعون ثمن الأزمة اليوم، فهم أولئك الذين سحقهم النظام المالي من أجل أقلية استحوذت على الأرباح والاستهلاك.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here