كيف يمكن لهذا البلد الصغير تجاوز أزمته الكبيرة؟

تعتبر الأزمة المالية التي تمر على لبنان من أسوأ وأخطر الأزمات التي عانى منها بلد ما على مدى السنوات الـ 150 الماضية. في حين أن تراجع قيمة العملة أمر طبيعي في مثل هذه الحالات، إلا أن الفحص الدقيق لشركة “ادفيزري اند بزنس كومباني” (Advisory and Business Company “A&B”) يظهر أن رد فعل السوق مبالغ فيه وأن القيمة الحقيقية للعملة اللبنانية يجب أن تكون أقوى من قيمتها في السوق الموازية.

تقوم دراسة “A&B” بتقييم الليرة اللبنانية وفقاً لتقنيتين مختلفتين هما المعيار الذهبي (The Gold Standard) وتعادل سعر الشراء (Purchasing Price Parity “PPP”). المعيار الذهبي هو حالة محددة من أسلوب مجلس العملة (Board Currency) حيث ترتبط قيمة العملة الوطنية بقيمة الذهب بدلاً من العملة الأجنبية. يفضل استخدام هذا النموذج في حال مرور الاقتصاد بمخاطر كبيرة ومواجهته لتحديات غير متوقعة. لا يأخذ هذا السيناريو في الحسبان الاحتياطيات القانونية في البنك المركزي ولا الاحتياطيات الأخرى بالعملات الأجنبية في القطاع المصرفي، وبهذه الطريقة لا ترتبط قيمة الليرة بهذه الموارد. بمعنى آخر، يمكن إعادة استثمار هذه المبالغ، بشكل أساسي في المشاريع التي تنمي الاقتصاد في المستقبل. وفقاً لطريقة المعيار الذهبي، تبلغ القيمة الفعلية لليرة اللبنانية 4566 لكل دولار أميركي.

إستخدمت “A&B” أيضاً طريقة تعادل سعر الشراء (PPP) كأداة إضافية للتقييم وهو الذي يقوم بتسعير العملة بالاعتماد على سعر السلعة المنتجة في بلد ما، مقارنة بسعرها في بلد آخر أي أنه يأخذ في الحسبان تعادل القوة الشرائية في تحديد ما إذا كان سوق الصرف الأجنبي يقوم بتسعير العملة المحلية بدقة. وفقاً لتقنية PPP، تم اشتقاق قيمة عادلة قدرها 5545 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي. هذا أقل بنسبة 68 في المئة من سعر السوق الموازي الحالي.

لا يمكن الوصول إلى هذه القيمة إلّا من خلال البدء بتطبيق إجراءات اقتصادية ومالية على أن تتبعها خطة شاملة. سنعرض في ما يلي أبرز هذه الاجراءات. يتجه لبنان إلى اعتماد خطة دعم مالي للأسر الفقيرة لمساعدتهم خلال هذه الأزمة. تؤمن شركة “A&B” بقوة أن هذا لن يساعد الاقتصاد ولا المجتمع، لأنه سيؤدي إلى استمرار تدهور القوة الشرائية للشعب اللبناني وسينقل البلاد إلى نموذج اقتصادي جديد وضعيف. بالمقابل، فإن زيادة الرواتب تعتبر حلاً أفضل من تقديم الدعم المالي لأنها ستساعد الناس على الحفاظ على قوتهم الشرائي.

سيتم تمويل الزيادة في الرواتب من خلال الزيادة المتوقعة في الضرائب والرسوم. ستطبق الحكومة سعراً بالدولار يعادل 4566 ليرة لبنانية / دولار أميركي في المعاملات الرسمية. سيتم احتساب الجمارك على المنتجات المستوردة وضريبة القيمة المضافة والضرائب الأخرى وفقاً لهذا المعدل. وفي الوقت نفسه، من الأفضل أن يتم تخفيض جميع معدلات الضرائب بمقدار الثلث لمدة 18 شهراً كمحفز للاقتصاد. يوضح نموذجنا المالي أن الإيرادات الحكومية ستكون كافية لدفع الرواتب الجديدة لموظفي القطاع العام بل وسينتج عن ذلك فائض ملموس.

بالتوازي، لدى لبنان إمكانية استخدام أدوات مالية لإدارة السيولة بالليرة اللبنانية، منها إصدار أذون خزانة ذات أجل قصير (من 7 إلى 28 يوماً فقط). سيتم بيع هذه الأوراق المالية للأفراد والشركات المحلية، مباشرة أو من خلال وسطاء موثوق بهم. ستقلل هذه الشروط من المخاطر وتشجع الأفراد والشركات على الاستثمار فيها، خاصة إذا كانت معدلات الفوائد تأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة. تكمن أهمية هذه الأدوات المالية في أنها ستستخدم لامتصاص السيولة بالليرة اللبنانية وإعادتها إلى القطاع المالي وإلى الحكومة مما يقلل الحاجة إلى طباعة النقود.

تعتقد شركة Advisory and Business Company أن لبنان لديه القدرة على تجاوز أزمته، لكن لا يمكن للعملة المحلية أن تصل إلى قيمتها الفعلية إلا إذا كان لدى صانعي القرار في البلاد الإرادة للقيام بذلك. أما إذا فشل صانعو القرار في تطبيق التصحيحات المطلوبة، فسوف تظهر احتياطيات العملات الأجنبية انخفاضاً إضافياً وستحتاج الحكومة إلى طباعة المزيد من الأموال. سيؤدي هذا إلى عدة سنوات من التضخم المفرط.

 

مصدرنداء الوطن - خالد أبو شقرا
المادة السابقةخطّ الغاز العربيّ حاجة ملحّة: بانتظار قرار سياسي لإعادة تفعيله
المقالة القادمةفي “جمهورية البنزين والمازوت”: “مرّقلي لمرّقلك” والتفويلة بمئة ألف “برّاني”