لا “كابيتال كونترول” ولا إصلاحات

0

عندما نقول اننا نتعامل مع دولة فاشلة فهذا لا يعني ابداً واطلاقاً اننا امام مجموعة من الأغبياء يديرون الدولة. على العكس من ذلك تماماً، فنحن امام مجموعة من عديمي الضمير الذين يتمتعون بدرجات عالية من الذكاء السوقيّ الذي هو أقرب الى “العبقرية الشريرة”.

فهؤلاء خططوا ونفذوا اكبر عملية إثراء منظّم من تقاسم المال العام على مدى سنوات وعندما شحّ المال العام اطبقوا على المال الخاص للبنانيين المقيمين والمغتربين وفوقه أموال المساعدات والقروض الأجنبية. ولم يتوقفوا عند هذا الحد بل حضّروا بذكائهم اللصوصيّ السيناريوات المختلفة لتأجيل الإنهيار تارةً وادارته لمصلحتهم تارةً اخرى.

فها هم بعد سنتين ونصف من انفجار الأزمة النقديّة-الإقتصاديّة والبلد لا يزال بلا “كابيتال كونترول”، ولا اصلاحات ولا محاسبة ولا إنشاء قطاع مصرفي ومالي جديد ولا ترشيد للإستيراد ولا شيء ابداً غير الإمعان في تكبير الفجوة والنزول التدريجي الى الهاوية مع بعض المسكّنات والبهلوانيّات لمنع انفجار الشارع في وجههم. وقد نجحوا نجاحاً باهراً حتى الآن في ادارة الأزمة تبعاً لمصالحهم.

من الأمثلة البارزة على ذكاء وخبث هذه العصابة واعتمادها عمليات الدجل المنظّم، ابتكارها لما تمّت تسميته “التوزيع العادل للخسائر”. فانتشرت هذه العبارة مثل النار في الهشيم عبر عملية تسويق وبروباغندا من قبل الأبواق المرتزقة او عبر من رددها ولم يفقه حقيقة أمرها.

في الواقع، هذه النظريّة المِسخة هي خلاصة السيناريو المحضر سلفاً، ولأنهم ليسوا اغبياء ابداً، فترجمته من لغة الكارتيل الى اللغة البسيطة هي التالية: “نسيطر على مقدرات البلد، نتقاسم المغانم، نستدين، نهدر، نُحجم عن الاصلاح والبناء، نتقاسم الصفقات، نكربج العدالة، نوقع البلد في الحفرة ثم نترككم تدفعون الثمن من مدخراتكم وصحّتكم ومستقبلكم”. هي عبارة مؤلّفة من ثلاث كلمات ملغومة بخبث:

أ – فكلمة “الخسائر” توحي ان ما حصل كان قضاءً وقدراً لا دخل للإدارة الحاكمة به. بينما هو في الحقيقة نتيجة سياسات حكومية وموازنات عامّة وقوانين أقرت في المجالس النيابية إضافة الى “التزبيطات” المعروفة على مدى ثلاثين عاماً.

ب – اما كلمة “عادل” فهي خداع مطلق، فالحل العادل الوحيد هو في تنفيذ القوانين المرعية ومحاسبة المرتكبين والفاسدين والمقصّرين من سياسيين ورسميين وقطاع خاص على رأسه المصارف الذين تسببوا جميعاً بهذه الكارثة ولكنهم عمدوا الى شلّ القضاء وتسييسه لضرب امكانيّة المحاسبة وتطبيق العدالة.

ج – “التوزيع” معناه تحميل المجتمع والمودعين نتائج فساد وفشل مجموعة من المرتكبين ومن يدور في فلكهم بينما هم يستمرون في تقاسم مقدرات البلد او في افضل الأحوال يذهبون الى التقاعد في باريس وجنيف وموناكو حيث ترتاح ثرواتهم وفيلّاتهم ويخوتهم.

وما يفضح اكثر ذكائهم الإجرامي في حق البلد هو ان الخطط التي وضعتها هذه الحكومة مثلاً هي في مجملها تآمر على الناس وعلى حقوقهم وعلى البلد لأن منطقها يقول “تعالوا ننقذ السارق ونحمّلكم سرقته”. اما القانون والمنطق البسيط للأمور فلا يمكنه سوى تحميل المسؤولية لثلاثة اطراف هي:

1 – الدولة التي صرفت وهدرت عليها أن تتحمل المسؤوليّة.

2 – مصرف لبنان اخطأ بالسياسات والممارسة وادار المخطط الاحتيالي، فليتحمّل بحاكمه ومجلسه المركزي ولجنة الرقابة على المصارف وكافة مسؤوليه.

3 – امّا مساهمة المصارف فلا تقتصر ابداً على رساميلها، بل تشمل أملاكها وعقاراتها والأموال والممتلكات الخاصّة لأصحابها ومديريها في لبنان والخارج.

لهذه الطبقة نقول: لا تحدّثونا عن البراغماتيّة وعن “فنّ الممكن” بل عن ما يجب عمله بالقانون والمنطق لوقف هذه المهزلة.

فمشاكل لبنان لم تبدأ مع انكشاف الأزمة المصرفيّة والإقتصادية في تشرين 2019 ولا مع الجمود السياسي الذي انتجه هذا النظام الهجين. الأزمة ليست قدراً والانهيار ليس حادثاً مرورياً يصوّره الخبير ومن ثم نسرع الى ازالة الأضرار لفتح الطريق. ما وصلنا اليه هو نتيجة سياسات خبيثة وواعية لنهب المال العام والخاص وضرب مستقبل الأجيال القادمة وثرواتها لمصلحة عصابة مجرمة تحلّق حولها الأتباع والطفيليّون. فلن نفتح الطريق ولن نطوي الصفحة قبل المحاسبة الشاملة وإن تخاذل القضاء المحلي نذهب الى محاكم العالم أجمع لكشف المجرمين ومحاسبة كل من خطط وحضّر وشارك وتخاذل ونفّذ فنعرف بالاسماء من ارتكب الجرائم بحق لبنان وعندئذٍ يكون لهم توزيعٌ عادل للمشانق.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here