الرئيسية اقتصاد لبنان لبنان… اقتصاد «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»

لبنان… اقتصاد «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب»

في لبنان، لكل فرد تقريباً خطة اقتصادية للنجاة: وظيفة ثانية، مشروع صغير، حساب بالدولار، قريب في الخارج، حوالة منتظرة أو دين يؤجّل الاستحقاق إلى الشهر المقبل. ما يغيب وسط كل هذه الخطط الفردية هو الخطة الأكبر: خطة الدولة. هكذا تحوّل «تدبير الحال» من مهارة فرضتها الأزمات إلى نموذج اقتصادي غير معلن، يمكن اختصاره بالمقولة الشعبية: «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب».

هناك اقتصادات تُبنى على الصناعة، وأخرى على النفط والغاز، وثالثة على التكنولوجيا. أما الاقتصاد اللبناني، فاعتاد طويلاً البحث عمّا يأتيه من الخارج أو من المستقبل، بدلاً من بناء ما يكفيه في الداخل.

تبدو مقولة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» للوهلة الأولى دعوة إلى التفاؤل. لكنها، إذا نُقلت إلى الاقتصاد، تصبح أقرب إلى إعلان إفلاس لفكرة التخطيط نفسها.

تبدو مقولة «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» للوهلة الأولى دعوة إلى التفاؤل. لكنها، إذا نُقلت إلى الاقتصاد، تصبح أقرب إلى إعلان إفلاس لفكرة التخطيط نفسها

حتى الموروث الديني لا يسند هذه الفلسفة تماماً. ففي الحديث النبوي «اعقلها وتوكّل»: خذ بالأسباب أولاً، ثم توكّل. أما النسخة اللبنانية من الاقتصاد، فتبدو أحياناً معكوسة: أنفق أولاً، ثم ابحث عن الأسباب والحلول عندما تنتهي النقود.

اقتصاد «من أين ستأتي؟»

في لبنان، لا يعرف كثيرون كيف سيموّلون الشهر المقبل، ولذلك أتقنوا فن تمويل هذا الشهر.

راتب لا يكفي؟ وظيفة ثانية.

الوظيفتان لا تكفيان؟ مشروع صغير.

المشروع يتعثر؟ اتصال بقريب في الخارج.

الحوالة تتأخر؟ استدانة.

الدين يكبر؟ انتظار حوالة جديدة.

تصل الحوالة؟ يُسدّد جزء من الدين، وتبدأ الدورة من جديد.

وهكذا يصبح السؤال الاقتصادي اليومي: من أين ستأتي النقود؟

والجواب في أحيان كثيرة: لا نعرف، لكنها ستأتي من مكان ما.

قد تنجح هذه الطريقة في إدارة أزمة عائلية عابرة، لكنها حين تصبح نمطاً دائماً تتحول إدارة المال إلى مطاردة مستمرة له. وإذا كان ذلك مرهقاً للأسرة، فهو أخطر بكثير عندما يتحول إلى سلوك دولة: إنفاق حين تتوافر الأموال، استدانة حين تنقص، رسوم إضافية حين تتراكم الالتزامات، ثم بحث عن تمويل جديد لتغطية القديم.
عندها يصبح السؤال الوطني نسخة أكبر من سؤال آخر الشهر: من يموّل الاستحقاق المقبل؟

اللبناني بنى اقتصاده الخاص

المفارقة أن اللبناني نفسه يعرف قيمة «العقل» والتخطيط أكثر مما توحي به سياسات دولته.

يدّخر حين يستطيع، ويشتري العملة الصعبة عندما يخشى تراجع قيمة أمواله، ويلجأ إلى الذهب عندما يشك في المستقبل، ويرسل أبناءه إلى الخارج عندما يشعر بأن الداخل لا يضمن لهم هذا المستقبل.

هو، ببساطة، لا يثق بالاقتصاد بما يكفي، ولذلك بنى اقتصاده الموازي الخاص.

باتت الأسرة اللبنانية أشبه بشبكة أمان عابرة للحدود: ابن يعمل في دولة عربية يرفد دخل العائلة، أخت في أوروبا يمكن اللجوء إليها عند الحاجة، قريب في كندا يتحول إلى صندوق طوارئ، فيما يبقى البيت في لبنان مركز إدارة هذه الشبكة.

أما الدولة، ففي أحيان كثيرة، فتبدو خارج مجلس الإدارة.

هذه القدرة على التكيّف ساعدت اللبنانيين على اجتياز أزمات وحروب وانهيارات نقدية وارتفاعات كبيرة في الأسعار. استمروا في العمل والاستهلاك والمبادرة، واخترعوا في كل مرة وسائل جديدة للبقاء.

لكن ثمة فارقاً أساسياً بين مرونة الناس وصحة الاقتصاد.

قد يكون المواطن قادراً على النجاة، فيما تعجز الدولة عن بناء اقتصاد مستدام. وقد ينجح المجتمع في اختراع حلول فردية، فيما تفشل المؤسسات الرسمية في إنتاج حلول عامة.

لكل مواطن خطة… إلا الدولة

تكفي جولة في بيروت لرؤية هذا الاقتصاد الموازي: شاب يعمل عبر الإنترنت مع شركة خارج لبنان، موظف يتقاضى جزءاً من دخله بالدولار، صاحب متجر يعتمد في جزء من معيشته على تحويلات ابنه، وطالب يفكر في الهجرة قبل أن تبدأ حياته المهنية.

لكل واحد من هؤلاء خطة. لكنها ليست خطة دولة، بل خطط فردية للبقاء.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: حين يصبح لكل مواطن مشروع إنقاذ خاص، فغالباً ما يعني ذلك أن مشروع الإنقاذ العام غائب.

لبنان لا يحتاج إلى شعب أكثر مهارة في «تدبير حاله». لقد أثبت اللبنانيون، مراراً، أنهم قادرون على ذلك. ما يحتاج إليه هو اقتصاد يجعلهم أقل اضطراراً إلى التدبير، ودولة تجعل المستقبل أقل غموضاً، وسياسات مالية واقتصادية لا تقوم على انتظار أموال تأتي من مكان ما أو على تدوير الأزمة من استحقاق إلى آخر.

فالإنفاق ليس خطيئة، كما أن الادخار ليس فضيلة اقتصادية مطلقة. والمشكلة ليست في الاستهلاك بحد ذاته، بل في اقتصاد لا يبني ما يكفي من مصادر القوة والاستدامة قبل توزيع ما لديه.

هنا تستعيد عبارة «اعقلها وتوكّل» معناها الاقتصادي: احسب الموارد، خطّط، استثمر، أنتج، ثم أنفق على أساس ما بنيته، لا على أساس ما تأمل أن يأتي لاحقاً.

فالجيب محدود، والغيب ليس جهاز صراف آلياً، والدولة ليست قريباً مغترباً يمكن الاتصال به في آخر الشهر.

أما أن ننفق ما في الجيب، ثم ننتظر ما في الغيب، فليست خطة اقتصادية. إنها مغامرة مؤجّلة الدفع، عاش لبنان طويلاً على قدرتِه على تمديدها.

لذلك، لم يعد السؤال ما إذا كان اللبناني قادراً على النجاة. لقد أثبت أنه يستطيع.

السؤال الأصعب هو: متى يصبح لبنان قادراً على العيش من دون أن يحتاج مواطنوه، في كل يوم، إلى خطة نجاة جديدة؟

مصدرجريدة الأخبار - عماد ياغي
المادة السابقةكركي وشلالا: التنسيق بين الضمان ونقابة الأطبّاء ركيزة أساسيّة لانتظام عمل القطاع الصحّي في لبنان
المقالة القادمةالحرب تقطع دورة «المونة»